جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٨٣ - الصلاة بين المقابر
..........
و قال الصادق (عليه السلام) في خبر محمّد بن البصري المروي عن مزار ابن قولويه في حديث زيارة الحسين (عليه السلام): «من صلّى خلفه صلاة واحدة يريد بها اللّٰه تعالى لقي اللّٰه يوم يلقاه و عليه من النور ما يغشى له كلّ شيء يراه» [١].
و عنه أيضاً مسنداً إلى هشام بن سالم في حديث طويل أنّه قيل للصادق (عليه السلام): هل يُزار والدك؟ قال: «نعم، و يصلّى عنده، قال: و يصلّى خلفه و لا يتقدم عليه» [٢].
و عنه أيضاً مسنداً إلى الحسن بن عطية عنه (عليه السلام) أيضاً: «إذا فرغت من التسليم على الشهداء أتيت قبر أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) تجعله بين يديك ثمّ تصلّي ما بدا لك» [٣]. قيل: و هو مروي في الكافي [٤] أيضاً».
و تقييد الصحيحين بما في هذه النصوص، فيستثنى حينئذٍ قبورهم (عليهم السلام): من الاتّخاذ قبلة فيهما كما التزمه في الحدائق [٥].
فيه:
أوّلًا: أنّه لا يقول به المفيد و من تبعه، بل ظاهره عدم الفرق بين القبور في منع الصلاة إليها؛ لأنّه قال بعد إطلاق المنع: «و قد قيل: لا بأس بالصلاة إلى قبلة فيها قبر إمام (عليه السلام)، و الأصل ما ذكرنا»، لكنّه قال بعد ذلك بلا فصل: «و يصلّي الزائر ممّا يلي رأس الإمام [(عليه السلام)] فهو أفضل من أن يصلّي إلى القبر من غير حائل بينه و بينه على حال» [٦]، و ظاهره الجواز لكنّه مفضول. بل قد ينقدح من ذلك- لمساواته بين الإمام و غيره- إرادة الكراهة من المنع في كلامه، بل لعلّ الحلبي كذلك، فتخرج المسألة حينئذٍ عن الخلاف، و يكون المحدّث البحراني خارقاً للإجماع بغير شيء يعوّل عليه.
و ثانياً: أنّه لا يتم في صحيح زرارة- الذي هو أحد الصحيحين المعتمد عليهما في تقييد أدلّة الجواز، بل هو العمدة منهما باعتبار اشتماله على النهي، بخلاف الآخر [و هو صحيح ابن خلّاد] المقتضي لثبوت البأس في المفهوم، و هو أعم من المنع- ضرورة اقتضاء التعليل فيه مساواة القبور في منع الاتّخاذ قبلة على وجهٍ لا يصح تقييده بالنصوص المزبورة.
و حمله على الكراهة كقول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فيما أرسله في الفقيه: «لا تتّخذوا قبري قبلة و لا مسجداً» [٧] يقضي بإرادتها من المعلّل حينئذٍ، و يتم المقصود حتى في الصحيح الآخر الذي يحمل البأس في مفهومه حينئذٍ على الكراهة. و احتمال خروج قبر النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من بين قبورهم- فيبقى على المنع، كغيره من القبور لعلمه بدفن الفاجرين معه، أو لأنّ قبر النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) هو الذي يخشى من اتّخاذه قبلة و كون السجود له و الشبه بفعل السابقين- لا يقوله الخصم، بل و لا غيره، و إن احتمله في المحكيّ عن البحار [٨]، إلّا أنّه لا يخفى بُعده. و كيف كان، فلا ريب في أنّ الكراهة هي الأقوى، لكن في مصداق «بين القبور» الذي هو موضوع الحكم في النصوص.
[١] كامل الزيارات: ١٢٢- ١٢٣، ح ١. الوسائل ٥: ١٦٢، ب ٢٦ من مكان المصلّي، ح ٦.
[٢] كامل الزيارات: ١٢٣، ح ٢. الوسائل ٥: ١٦٢، ب ٢٦ من مكان المصلّي، ح ٧.
[٣] كامل الزيارات: ٢٤٥، ح ٣. الوسائل ١٤: ٥١٧، ب ٦٩ من المزار، ح ١، و فيه: «فائت» بدل «أتيت».
[٤] الكافي ٤: ٥٧٨، ح ٤.
[٥] الحدائق ٧: ٢٢٦.
[٦] المقنعة: ١٥٢.
[٧] تقدّم في ص ٥٨٢.
[٨] البحار ٨٣: ٣١٤.