جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٨٢ - الصلاة بين المقابر
..........
القلبي، و لظاهر كون الشرط مع تحقّق موضوع البينيّة، لا أنّ المراد منه استثناء بعض الأفراد منها، و لإشعار ذيل صحيح زرارة منهما بذلك، كالمرسل في الفقيه عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): «لا تتخذوا قبري قبلة و لا مسجداً، فإنّ اللّٰه عزّ و جلّ لعن اليهود حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» [١]. بل الظاهر إرادة ذلك من الاتّخاذ قبلة فيه كالاتّخاذ مسجداً، بل لعلّ المراد النهي عن البناء عليه معاملين له معاملة الكعبة في استقبال أيّ جزء منه، كما أنّ المراد من اتخاذه مسجداً بناؤه معاملًا معاملة المساجد في الصلوات فيه و نحوها- يتّجه حينئذٍ تقييد الصحاح الأربعة بالموثّق المزبور لو كان له مقاومة. فما عن سلّار [٢] من فساد الصلاة في المقابر- بل حكاه الشيخ في الخلاف [٣] قولًا لبعض الأصحاب؛ لنحو ما سمعت ممّا ذكرنا حمله على الكراهة- في غاية الضعف، بل يمكن دعوى سبقه بالإجماع في الجملة و لحوقه به. كما أنّ ما عن المفيد [٤] و الحلبي [٥] من عدم جواز الصلاة إلى القبور؛ للصحيحين المزبورين كذلك [في غاية الضعف] أيضاً، و إن اختاره في الحدائق [٦] مدّعياً أنّه هو الذي يقتضيه الجمع بين الأخبار بحمل ما دلّ على الجواز على غير المتّخذ قبلة للإطلاق و التقييد، بل لا معارض أصلًا للمقيّد منهما؛ إذ الموثّق مؤكّد له. نعم يراد منه الكراهة بالنسبة إلى غيره جمعاً بينه و بين أدلّة الجواز من الصحاح الأربعة و غيرها التي لا يمكن تقييدها بما في الموثّق من التباعد عشرة أذرع كي يبقى النهي فيه على حاله بعد تقييد المتّخذ قبلة به، و هو مستثنى منها، فلا محيص عن الجمع بالكراهة حينئذٍ، و لا مانع من إرادة القدر المشترك على عموم المجاز من نفي الجواز فيه، و الحرمة و الكراهة مشتركان في الرفع بما فيه من التباعد. إذ فيه- مع عدم التكافؤ كما عرفت، و إرادة الحرمة و الكراهة من لفظ «لا يجوز» في الموثّق بلا قرينة، و أنّ أحد الصحيحين مع كون دلالته بالمفهوم لا يقتضي إلّا ثبوت البأس الذي هو أعم من الحرمة، و احتمالهما معاً التقية؛ لأنّهم [العامّة] رووا نحوها ٧، و عن أحمد [٨] منهم العمل بها-: أنّك قد عرفت كون المراد بالصحيحين الاتخاذ كالكعبة في استقبال أيّ جزء منه، لا أقل من تساوي الاحتمالين فيه، فلا يخرج بمثلهما عن أدلّة الجواز المعتضدة بما عرفت. على أنّه قد يشكل باستفاضة النصوص في الصلاة خلف قبور الأئمّة (عليهم السلام)، ففي خبر عبد اللّٰه الحميري المروي في التهذيب: كتبت إلى الفقيه (عليه السلام) أسأله عن الرجل يزور قبور الأئمة (عليهم السلام) هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا؟ و هل يجوز لمن صلّى عند قبورهم (عليهم السلام) أن يقوم وراء القبر و يجعل القبر قبلة و يقوم عند رأسه و رجليه؟ و هل يجوز أن يتقدم القبر و يصلّي و يجعله خلفه أم لا؟ فأجاب- و قرأت التوقيع و منه نسخت-: «أمّا السجود على القبر فلا يجوز في نافلة و لا فريضة و لا زيارة، بل يضع خدّه الأيمن على القبر، و أمّا الصلاة فإنّها خلفه يجعله الإمام، و لا يجوز أن يصلّي بين يديه؛ لأنّ الإمام لا يُتقدّم، و يصلّي عن يمينه و شماله» [٩]. و مثله عن الاحتجاج عن الحميري عن صاحب الزمان (عليه السلام) إلّا أنّه قال: «و لا يجوز أن يصلّي بين يديه و لا عن يمينه و لا عن يساره؛ لأنّ الإمام لا يتقدّم عليه و لا يساوى» [١٠].
[١] الفقيه ١: ١٧٨، ح ٥٣٢. الوسائل ٥: ١٦١، ب ٢٦ من مكان المصلّي، ح ٣.
[٢] المراسم: ٦٥.
[٣] الخلاف ١: ٤٩٦- ٤٩٧.
[٤] المقنعة: ١٥١.
[٥] الكافي: ١٤١، انظر الهامش.
[٦] ٦، ٧ الحدائق ٧: ٢٢٦. سنن ابن ماجة ١: ٢٤٦، ح ٧٤٦.
[٨] المجموع ٣: ١٥٨.
[٩] التهذيب ٢: ٢٢٨، ح ٨٩٨. الوسائل ٥: ١٦٠، ب ٢٦ من مكان المصلّي، ح ١، ٢، و فيه: «محمّد بن عبد اللّه الحميري».
[١٠] الاحتجاج ٢: ٥٨٣. الوسائل ٥: ١٦١، ب ٢٦ من مكان المصلّي، ح ١، ٢.