جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٧ - صلاة الغفيلة
..........
بل قد يؤيّده أيضاً: حرمة التطوّع في وقت الفريضة إلّا الرواتب؛ إذ لا ريب- كما قيل [١]- في خروج وقت المغرب بالفراغ منها مع نافلتها لو فعلت بتؤدة، و دخول وقت العشاء بذهاب الشفق حينئذٍ، بل لو سلّم عدم ذهابه، إلّا أنّه لا إشكال عندنا في جواز إيقاع صلاة العشاء قبل؛ لتظافر الأخبار [٢] بدخول وقت المغرب و العشاء بغروب الشمس، إلّا أنّ هذه قبل هذه، قصارى ما هناك خروج راتبة المغرب دون غيرها، فصلاة الغفيلة فيه حينئذٍ تطوّع في وقت الفريضة.
و فيه أوّلًا: أنّ الظاهر كون المراد بالنصوص السابقة بيان تمام ما يقع منهم من الرواتب المعروفة المشهورة التي لها تعلّق بالفرائض لا حصر جميع ما يقع منهم من الصلاة، و كيف؟! و قد ورد [٣] عنهم أنّهم (عليهم السلام) يصلّون في اليوم و الليلة ألف ركعة.
و ثانياً: ما قيل [٤]: من أنّ اسم الوقت إذا اطلق فإنّما يراد ما ضُرب لها و حدّت به في الاختيار من غيبوبة الشفق، لا ما رخّص فيه لذوي الأعذار و إن خفت أو في الأسفار، و الذي دلّ على دخول وقت الثانية بالفراغ من الاولى إنّما جاء في الثاني دون الأوّل ردّاً على أهل الخلاف في منعهم من الجمع ردّاً على اللّٰه و رسوله (صلى الله عليه و آله و سلم)؛ و لذلك تظافرت النصوص به، لا أنّ ذلك هو الوقت الموظّف لها، بحيث يحرم فيه التطوّع، فتأمّل جيّداً.
و ثالثاً: أنّه كما اخرجت الرواتب بالدليل فكذا الغفيلة؛ لتظافر النصوص باستحبابها.
إنّما البحث حينئذٍ في المراد بقوله (عليه السلام): «ما بين المغرب و العشاء» فهل هو فعلهما فتصحّ حينئذٍ و إن وقعت بعد أن يذهب الشفق، أو وقت فضيلتهما فلا تصحّ حينئذٍ إلّا قبل ذهابه، فيشكل حينئذٍ بأنّه لا يتّسع لهما و لنافلة المغرب و الفريضة، خصوصاً إذا صلّى الأخيران بتؤدة؟
و قد يقال: إنّ الظاهر الأوّل، لكن لا على أنّ المراد الجواز و إن اتفق تأخير العشاء إلى آخر وقت الإجزاء، بل هو مبنيّ على الغالب من عاداتهم قديماً من أنّهم كانوا إذا فرغوا من المغرب و نافلتها انفضّوا إلى منازلهم حتى إذا ذهب الشفق و نادى المؤذّن بالصلاة أقبل الناس يتسارعون، و كان النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) يرغب في تأخيرها في الجملة مراعاةً للناس؛ لاشتغالهم بالعشاء و قضاء الحاجة و تجديد الطهارة و الاستراحة و نحو ذلك، و يمكث (صلى الله عليه و آله و سلم) كيما يفرغوا و يجتمعوا حتى نادى جفاتهم: نام الناس و الصبيان.
فمن المحتمل أنّه (صلى الله عليه و آله و سلم) ندبهم إلى التطوّع في هذا الوقت بهذه الصلاة و غيرها، كصلاة الوصية التي رواها الشيخ في مصباحه عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام): «إنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: اوصيكم بركعتين بين العشاءين يقرأ في الاولى «الحمد» و «إذا زلزلت» ثلاث عشرة مرّة، و في الثانية «الحمد» و «قل هو اللّٰه أحد» خمس عشرة مرّة، فإنّ من فعل ذلك كلّ شهر كان من المتّقين، فإن فعل كلّ سنة مرّة كتب من المحسنين، فإن فعل في كلّ جمعة مرّة كتب من المصلّين، فإن فعل ذلك في كلّ ليلة زاحمني في الجنّة، و لم يحص ثوابه إلّا اللّٰه» [٥].
[١] انظر الكافي ٣: ٢٨٠، ذيل الحديث ٩.
[٢] انظر الوسائل ٤: ١٨٣، ب ١٧ من المواقيت.
[٣] انظر الوسائل ٤: ٩٧، ب ٣٠ من أعداد الفرائض.
[٤] الوافي ٧: ٢٦٣.
[٥] مصباح المتهجد: ٩٤- ٩٥، مع اختلاف.