جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٧٧ - استحباب التياسر لأهل العراق
..........
الندب على الظاهر، و إلّا كان ضعيفاً:
١- للأصل.
٢- و إطلاق ما دلّ على الأمارات المزبورة من نصّ و إجماع.
٣- و موهونيّة إجماعه بمصير الأكثر إلى خلافه.
٤- و ضعف النصوص السابقة سنداً و دلالة عن إثبات الوجوب حتى الرضوي المشتمل على الأمر منها، إلّا أنّه ليس حجّة عندنا، و لا يخلو من إجمال بالنسبة إلى تشبيهه. فظهر لك حينئذٍ من ذلك كلّه أنّ الحكم بالاستحباب لا يخلو من قوّة.
و أنّ التحقيق في الجواب عن الإشكال عليه ما عرفت، لا ما قيل [١] من منع الحصر؛ لأنّ حاصل السؤال أنّ التياسر إمّا إلى القبلة فيكون واجباً لا مستحبّاً، و إمّا عنها فيكون حراماً، و الجواب منع الحصر، بل التياسر عنها إليها، و جاز اختصاص بعض جهات القبلة بمزيد الفضيلة على بعض، أو حصول الاستظهار بالتوسّط بسبب الانحراف خصوصاً على ما سمعته من بعض معاصري الفاضل الهندي من أنّ قبلة الكوفة و بغداد الركن الشامي و العراقي، فيتياسر استظهاراً.
اللّهمّ إلّا أن يريد هذا المجيب ما ذكرناه [من أنّ المراد استحباب التياسر عن الجهة المدلول عليها بالعلامات التقريبيّة].
بل يمكن المناقشة عند التأمّل فيما أجاب به المصنّف أيضاً؛ إذ كون القبلة الحرم لا يقتضي ذلك، خصوصاً بناء على إرادة جهة الحرم لا عينه؛ ضرورة الخروج عن المحاذاة للبعيد بأدنى انحراف، كما هو مشاهد في استقبال الأجرام البعيدة.
أما لو اريد المحاذاة الحقيقيّة للحرم- كما هو ظاهر أو صريح بعض القائلين بذلك على ما عرفت سابقاً- أمكن الإشكال بأنّه لا يعلم اتصال الخطوط إلّا بالتياسر دون غيره، مع أنّ مقتضاه حرمة الغير و وجوب التياسر لا استحبابه المقتضي لجواز غيره حتى التيامن القليل، فلا بدّ في الجواب من ملاحظة تقريبيّة العلامات المزبورة و أنّ التياسر عنها لعلّه أدخل في حصول المحاذاة كما ذكرناه سابقاً، و هو لا يخصّ القول المزبور، بل يتّجه على المختار أيضاً. و من هنا أفتى به العلّامة [٢] و غيره ممّن مذهبه استقبال الكعبة لا الحرم، فتأمّل جيّداً.
ثمّ إنّ صريح أكثر الفتاوى اختصاص ذلك بالعراقي، كظاهر خبر المفضّل، و هو كوفي، بل غالب الرواة عنهم (عليهم السلام) عراقيّون.
لكن في الذكرى التعبير بأهل المشرق [٣].
و لعلّه يريد العراقيّين منهم، خصوصاً مع قوله بعد ذلك: «فرع: إذا قلنا بهذا التياسر فليس بمقدّر، بل مرجعه إلى اجتهاد المصلّي، و من ثمّ جعلنا المسألة من مسائل الاجتهاد، و لا ريب في اختلاف ذلك بحسب اختلاف بلدان المشرق، و لعلّ البالغ في المشرق إلى تخومه يسقط عنه هذا التياسر، بل لا يجوز له؛ للقطع بأنّه يخرج عن العلامات المنصوبة لهم، و الخبران لا يدلّان على غير أهل العراق؛ لأنّ المفضّل كوفي، و غالب الرواة عراقيّون» [٤].
و هو كما ترى ظاهر في الاختصاص.
[١] حكاه في المهذب البارع ١: ٣١٧.
[٢] المختلف ٢: ٦٤.
[٣] الذكرى ٣: ١٨٤.
[٤] الذكرى ٣: ١٨٥.