جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٨٥ - وقت قضاء الفرائض و التطوّع فيها
..........
القضاء؛ و لهذا أمر أبو جعفر (عليه السلام) نجبة بهما، قال: قلت له: تدركني الصلاة فأبدأ بالنافلة؟ فقال: «لا، و لكن ابدأ بالمكتوبة و اقض النافلة» [١]. و لعلّ هذا و شبهه هو السر في النهي عن التطوّع في أوقات الفرائض، كما صرّح به في الجملة موثّق سماعة المتقدّم [٢]، بل يومئ إليه ظهور نصوص المنع أو أكثرها في إرادة الوقت الفضيلي من وقت الفريضة لا ما يشمل الإجزائي، و هو مضعّف آخر لدلالتها على ما يقول الخصم، بل قد يومئ إليه- زيادة على ذلك و على خبر نجبة المتقدّم آنفاً- خبر زياد بن أبي عتاب، قال: سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: «إذا حضرت المكتوبة فابدأ بها فلا يضرّك أن تترك ما قبلها من النوافل» ٣؛ إذ الظاهر منه إرادة إمكان جبر ضرر الترك بالقضاء، بخلاف عدم البدأة بالمكتوبة في أوّل الوقت؛ فإنّه ضرر لا جابر له، بل لعلّ في هذا التعليل في الخبر المزبور إشعاراً أيضاً بالمختار، بل ما عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في النهج: «لا قربة بالنوافل إذا أضرّت بالفرائض» [٤]، و قوله (عليه السلام) أيضاً: «إذا أضرّت النوافل بالفرائض فارفضوها» [٥] مبنيّ على ذلك أو نحوه.
فمن العجيب بعد ذلك كلّه المبالغة في الإنكار من فاضل الرياض [٦] لهذا القول:
١- فتارةً بدعوى الإجماع- الممنوع أشدّ المنع عليه- على خلافه، مع أنّه لم يدّعه أحد قبله. نعم ظاهر المعتبر نسبته إلى علمائنا [٧] مشعراً به، مع أنّ الظاهر عدم إرادته منه ذلك، بل مقصوده ذكر الشيخين و ابني حمزة و إدريس [٨] إيّاه، كما حكى عنهم غيره ذلك أيضاً، و زاد نسبته له و للفاضل في أكثر كتبه [٩]، و من المعلوم عدم بلوغ ذلك حدّ الشهرة فضلًا عن الإجماع كما هو واضح.
٢- و اخرى بحمل نصوصه على التقيّة [١٠] مستنبطاً لها من صحيحي المقايسة [١١] و موثّق ابن مسلم المتقدّمة [١٢]، التي هي في غاية البعد بالنسبة إلى أخبارهم، كما اعترف هو ١٣ بذلك في ركعتي الفجر، و أنّها لا ترتكب إلّا عند الضرورات، مع إمكان دعوى قرائن هنا تنفيها أيضاً، و أنّهم (عليهم السلام) لم يستعملوا التقيّة، كما أومأ إليه موثّق ابن مسلم المزبور، إمّا لظهور القياس الذي يمكن أن يفحم به الخصم أو لغيره. على أنّه يمكن كون مذهبهم في ذلك الجواز من غير كراهة، و أنّه لا فرق بينهما في وقت الفريضة و عدمها، فتأبى حينئذٍ الحمل عليها؛ ضرورة صراحة بعضها و ظهور آخر بخلافه.
٣- و ثالثة: بدعوى القصور في أسانيد البعض، الذي هو غير قادح مع التعاضد المزبور و كفاية البعض الآخر.
٤- و رابعة: بدعوى عدم مقاومتها لأدلّة المنع من وجوه كالشهرة و نحوها، و قد عرفت أنّها أولى منها بعدم المقاومة من وجوه لا تخفى عليك بعد الإحاطة بجميع ما ذكرنا أو بعضه، لا أقلّ من اقتضاء العمل بتلك طرح هذه أو كالطرح، بخلاف العكس؛ فإنّ الكراهة مجاز شائع.
[١] ١، ٣ الوسائل ٤: ٢٢٧، ب ٣٥ من المواقيت، ح ٥، ٤.
[٢] تقدّم في ص ١٨٠.
[٤] نهج البلاغة: ٤٧٥، قصار الحكم ٣٩.
[٥] نهج البلاغة: ٥٢٥، قصار الحكم ٢٧٩.
[٦] الرياض ٣: ٩٢.
[٧] المعتبر ٢: ٦٠.
[٨] المقنعة: ١٤١. النهاية: ٦٢. الوسيلة ٨٤. السرائر ١: ٢٠٣.
[٩] القواعد ١: ٢٤٧. نهاية الإحكام ١: ٣٢٣- ٣٢٤. الارشاد ١: ٢٤٤.
[١٠] ١٠، ١٣ الرياض ٣: ٩٤، ٦١.
[١١] الوسائل ٤: ٢٦٤، ب ٥٠ من المواقيت، ح ٣. المستدرك ٣: ١٦٠، ب ٤٦ من المواقيت، ح ٣.
[١٢] تقدّم في ص ١٨٤.