جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٣٨ - وقت نافلة الظهرين
..........
لكنّ الأخير و سابقه- كما ترى- لا دلالة فيهما على الراتبة، بل ما في صحيح زرارة يدلّ على أنّ ذلك من التي ليست صلاة الضحى أيضاً، كما أنّ كون أمير المؤمنين (عليه السلام) في صفّين مسافراً و لم يُعلم نيّة الإقامة منه شاهدٌ آخر على أنّ الأربعة ليست من نوافل الزوال أيضاً، بل لعلّ ما في صحيح زرارة من اعتداد النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) بالأربعة من نافلة الزوال محمول على يوم الجمعة أو الاستغناء بها عنها لبعض العوارض، لا أنّها هي مقدّمة؛ بقرينة ظهور لفظ «كان» فيه في الاستمرار الذي يشهد باقي النصوص المتضمّنة لفعله (صلى الله عليه و آله و سلم) بخلافه، على أنّه لا ريب في مرجوحيّته على تقدير جوازه، و لا يستمرّ عليه.
و خبر عبد الأعلى يحمل- إن لم يكن ظاهره- على إرادة القضاء، كما يشهد له ما حكاه من فعل عليّ بن الحسين (عليهما السلام)؛ إذ احتمال إرادة مطلق الفعل من القضاء بعيد، و لا داعي إليه.
و منه حينئذٍ يعلم أنّ مرادهم (عليهم السلام) في التشبيه لها بالهديّة بيان الحكمة في قضائها، أو بيان صلاحيّة مطلق الوقت لماهيّة النافلة، لا أنّ صاحبة الوقت منها تقدّم على وقتها لذلك.
و أخبار ابني يزيد و عذافر و علي بن جعفر (عليهما السلام) لا تأبى الحمل على ذلك؛ ضرورة عدم صراحتها بل و لا ظهورها في الرواتب، خصوصاً الأوّل و الثالث، و إلّا لجاز فعل الراتبة في كلّ وقت حتى الليل، و هو معلوم البطلان.
و خبر ابن مسلم محمول على ما عرفت أيضاً من إرادة صلاة مقدار الراتبة إذا علم اشتغاله عنها في وقتها عوضاً عنها، كما يشعر به لفظ «من» في خبر ابن جابر، بناءً على إرادة البدليّة منها، بل الظاهر إرادة فعل هذا المقدار من النافلة المطلقة- التي يستحبّ للإنسان في كلّ وقت فعلها- من البدليّة، لا أنّه بدل مشروع بالخصوص بحيث لا يصحّ معه الإتيان بالمبدل عنه إذا اتفق ارتفاع المانع مثلًا؛ ضرورة كون المراد ما في أيدي الناس من الاشتغال بطاعة عند فوات طاعة اخرى، فالبدلية فيها عرفيّة لا شرعيّة، و لهذه المناسبة مع التماثل في الصورة سمّيت نافلة زوال مقدَّمة.
كلّ ذلك لقوّة تلك الأدلّة على أنّ النوافل من الموقّت المعتضدة بالفتاوى، بحيث لا يصلح ما سمعت لمعارضته بوجهٍ من الوجوه، خصوصاً بعد عدم الفتوى به من أحد.
نعم ظاهر التهذيب [١] العمل بخبر ابن مسلم السابق، و جعل في الذكرى و الدروس [٢] جوازه مطلقاً وجهاً، و عن المقدّس الأردبيلي استظهاره [٣]، و كأنّه مال إليه تلميذه و الاستاذ الأكبر في حاشيته على المدارك [٤]، بل في الذكرى: «و لا ينافي ذلك حديث الاشتغال؛ لإمكان إدراك ثواب فعلها في الوقت مع العذر لا مع عدمه»، و التحقيق ما عرفت.
و به ينكشف المراد من تلك الأخبار التي بسببها مالوا إلى ذلك، سيّما خبر الغسّاني و مرسل ابن الحكم منها؛ للتصريح بالأفضليّة في أوّلهما و التخيير في ثانيهما، و لو لا أنّ الحكم من الضروريّات عندنا أو قريب منها، و تطويل البحث فيه صرف للعمر في غير ما اعدّ له لأكثرنا من الشواهد على فساد ذلك، و اللّٰه أعلم.
[١] التهذيب ٢: ٢٦٨، ذيل الحديث ١٠٦٦.
[٢] الذكرى ٢: ٣٦١. الدروس ١: ١٤١.
[٣] مجمع الفائدة و البرهان ٢: ٣٢.
[٤] المدارك ٣: ٧٣. حاشية المدارك ٢: ٣١٤.