محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٠٦ - الخطبة الثانية
تلك أنانية اليهود منعت عليهم أن يسلِّموا بالحقّ، وأن يقبلوا الإسلام مع يقينهم به لأنه لا يعطيهم الامتياز المطلوب لأنانيتهم، ولا يغذي طموحهم القومي، وغرورهم واغترارهم بأنفسهم، وروحهم الاستكبارية على الآخرين فاستحقوا من الله العدل الحكيم اللعنَ، والغضبَ والعذابَ المهين.
فليحذر المسلم المؤمن من هذا الشَرَك الشيطاني الخبيث وهو شرك الأنا الذي يمنعه من قبول الحق إلا أن يوافق هواه، ويعطيه الظهور الذي يطمح إليه في الناس، فالحق عنده باطل إذا لم يكن فيه ظهوره وتقديمه، أو هو متخلٍّ عنه خاذل له، وعليه لا له إذا توهم أن الظهور فيه لغيره، وهو إنما يريده دائما لنفسه.
ولو وقف مْن هذا خُلُقُه مع الحق الذي فيه اشتهاره لكان عابدا لنفسه لا لربّه ٣٣، وكل انتصاراته هزائم، وكل مكاسبه خسائر، وهو أخسر خاسر في هذه الانتصارات والمكاسب.
وإن أناساً هذه نفسيتهم لمستعد أحدهم لأن يبذل كل شيء، ويتعب كل التعب، وتنشط همته، ويكثر بذله على أن يكون مسؤول الحسينية، أو ولي المسجد، أو رئيس المؤسسة، أو زعيم الحزب، أو قائد الأمة. مستعد أن يبذل، ولكن لذاته لا لله تبارك وتعالى.
أما لو لم يكن هو الإنسان الأول في أي من هذه المواقع التي يتعلق بها طموحه فلابدّ أن يناوئ ويواجه، أو يثير الغبار والتشكيك، وأقلّ ضرراً مما يختاره هو حالة الانكفاء على الذات والانعزال.
أقصى تنازل يفعله أحدنا من منطلق هذه النفسية الأنانية هو أن ينعزل، وإلا فهو في الغالب لا ينعزل وهو يستطيع أن يحارب الحق الذي يرى أنه يظهر غيره ولا يظهره.