محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٩ - الخطبة الأولى
وشيء ثالث وهو أنه ما أكثر من تكون فاجعته، وهزيمة شخصيته، وخسارته دينا ودنيا في مدحه وكلمات الثناء والإعجاب به وإن كانت- تلك الكلمات- زائفة كاذبة أو واهمة.
فبسبب من هذا المدح والإطراء والثناء يحسب نفسه الكبير وهو الصغير، العالم وهو الجاهل، الحكيم وهو السفيه. ويصل الأمر به أن يغير الثناء الذي يراه كاذباً قناعاته بسلبياته إلى قناعات راسخة على خلاف ما يعلمه من نفسه من قصور وتقصير، وبذلك يكون محكوماً بالوهم القاتل في نظرته إلى نفسه.
وفي هذا سقوط خطير ذريع في امتحان من امتحانات النفس يستتبع نتائج وخيمة تحطِّمها، وترهِقُ الجماعات والمجتمعات، وتربكها. هذا السقوط يشلّ النفس عن طلب الكمال الحقيقي عن الطريق الموصل الذي يقوم أساساً على الاعتراف بالنقص، والتخلص منه. فإذا لم أعترف بنقصي لا أطلب الكمال والمزيد منه.
ونرجع جديداً إلى كلمة النهج التي يقول آخرها" وما ابتلى الله أحداً بمثل الإملاء له".
فالإملاء من الله عز وجل لعبده يمثّل في هذه الكلمة الشريفة أكبر امتحان في الحياة يواجه وعي الإنسان، ويقظته، وإيمانه، وقدرته على التماسك النفسي له، وقدرة التحمل عنده.
والإملاء إمداد بالنعم، وتوالٍ للإحسان، وتسهيلٌ للأمور، ودفع للعوائق، وصرف للشرور، وستر للعيوب، وتأجيل للعقوبة، وهو أمر لا تتحمله إلا عقول واعية، وقلوب يقظة، ونفوس مرحومة، وذوات عليّة.
وأمام الامتحان بالشدة والرخاء، والخير والشر يحتاج الإنسان دائماً إلى طلب المزيد من الوعي، والرؤية الكونية الصحيحة، ومعرفة عبوديته، وطلب الذكر في قبال النسيان، والانتباه في قبال الغفلة، وإلى تصبير النفس على تحمّل المحنة، وترويضها على شكر النعمة، وتذكيرها بأن الشر قد يعقبه خير، وأن الخير قد يأتي بعده شر، فلا مورد ليأس