محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٧٥ - الخطبة الأولى
الأولى خلفية قيم رفيعة، وأخلاق عالية حميدة كخلق الصدق والأمانة والوفاء، وخلفيةُ خوف من الله العظيم رادع عن ظلم العباد، وتطلّع للمثوبة من عنده سبحانه دافع للتضحية في سبيل الآخرين، والوفاء لهم، ودرأ الضرر عنهم، وأداء حقوقهم، والإحسان إليهم.
أما الخلفية الأخرى التي تحدد مواقف الناس في هذه العلاقات فهي المصلحة المادية، والمنفعة الذاتية الدنيوية، وهي الشهرة والظهور والزعامة والتسلّط. وكلما انعدم الدين عند الشخص أو الجماعة، أو خفّ وزنه في النفس كلّما استحكمت خلفية المنفعة المادية الذاتية في تحديد السلوك، وتوجيه مواقفه.
فما استُرخص حق الآخر، أو استُهين بحرمته، وما كان ظلمٌ في الناس إلا بسبب من انتهاج غير منهج الله، أو الجهل به، أو التساهل في أمره، وغلبة الهوى في النفس عليه، لقلة ترسّخه في القلب، وتمكّنه في الروح، وتغلغله في الإنسان.
فرعاية الحقوق والتوقف عن الحرمات، واحترام الكرامة الإنسانية، وإجلال كرامة العلم والإيمان، والإخلاص والوفاء والأمانة والتضحية الواعية على طريق الخير، والبناء الرشيد، والاستمثار الصالح للمواهب الكريمة في حياة الناس لسعادتهم ورفعتهم، والحفاظ على مصلحة الآخر، والأخذ بكريمة الإيثار، كلّ ذلك من إنتاج خلفية العلم والدين والتقوى عند الإنسان.
وما يعطيه مبدأ المنفعة المادية المقابل للدين هو شيء آخر: تنافس غير شريف على الدنيا، احتراب على غنائمها، احتيال من أجل لذائذها، الكذب، الخيانة، استعلاء جاهلي، استغلال سيء للآخر، تغالب بالباطل، تسلّق على أكتاف الآخرين، على سمعتهم، على حساب أمن المجتمع ووحدته، كيد ومكر أسود في العلاقات الخاصة، والعلاقات العامة، ركوب لكل مراكب شريفها وخسيسها لتحقيق الأغراض المادية الساقطة.