محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٣٤ - الخطبة الأولى
لإساءته، وخفّت موازينُه باستخفافه فكان نهبَ الدّهشة والاضطراب والحيرة، وأسير الألم والحسرة، ومن الأخسرين أعمالًا، والموعودين ناراً.
عن الإمام زين العابدين عليه السلام:" ... كأن قد أُوفيتَ أجلَك، وقبض الملكُ روحَك، وصرت إلى منزل وحيداً فرَدّ إليك روحك، واقتحم عليك فيه ملكاك: منكر ونكير لمساءلتك، وشديد امتحانك، ألا وإنّ أول ما يسألانك عن ربّك الذي كنت تعبده، وعن نبيّك الذي أُرسل إليك، وعن دينك الذي تدين به، وعن كتابك الذي كنت تتلوه ١، وعن إمامك الذي كنت تتولّاه ٢، ثم عن عمرك فيما أفنيته؟ ومالك من أين اكتسبته وفيما أتلفته؟ فخذ حِذرك وانظر لنفسك، وأعِدَّ للجواب قبل الامتحانِ والمساءلةِ والاختبارِ ..." ٣.
من الضّروري أن نتصوّر لحظة الأجل التي قد تبعد شيئاً ما عن اللحظة التي نحن فيها، وقد تكون أقرب جدّاً مما يذهب إليه الظن.
الفرار من تصور تلك اللحظة لا يُغني ولا يُعفي لأنّ الحقائق لا يُلغيها أن يُغفلَ عنها، ولا يُقلّل من الآثار الخطيرة المهلكة لعدم مراعاتها أن تُهمَل. وما لابدّ من وقوعه واقع فإذا جاء على غير استعداد من النفس مثَّل صدمةً هائلة، وعلى غير تهيّؤ من العمل والتوقي والاحتياط أهلك ودمّر. فلو أمكن الاستعدادُ للزلزال لقلّت الخسائر، وقد يمكن أن يُسلم منها، أمّا إذا واجه النّاس بغتة عظُمت الكارثة ٤.
وتصوُّر لحظة الموت لا للتخدير واليأس، وإنما للجدّ والنشاط، وحُسن العمل، والمبادرة في الخير ٥، وترك الشّر، وخلوص النيّة، وطُهر النّفس، والمسابقة في الصّالحات، واستثمار الفرص، وإعمار الحياة ولكن في ظلّ قيم وأهداف الآخرة.
ونجد أنَّ السؤال الذي تتحدث عنه كلمة زين العابدين عليه السلام ليس عن أمور غامضة، وقضايا مستعصية كما سبق. السؤال عن الله وهو نور السماوات والأرض الذي لا يخفى