محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٢٠ - الخطبة الأولى
الله عليه وآله:" إذا حمل عدوّ الله إلى قبره نادى من تبعه: يا أخوتاه احذروا مثلَ ما وقعتُ فيه، إني لأشكو لكم دنياً غرّتني، حتى إذا اطمأننت إليها صرعتني، وأشكو إليكم أخِلاءَ الهوى سرّوني، حتى إذا ساعدتهم تبرّؤوا مني وخذلوني ..." ٦.
وماذا صرعت منه الدّنيا وشهواتها الزائلة، وأمانيها الزائفة؟! ربما صرعت جسداً ولكن أسفه وألمه وحسرته وشكواه ليس من ذلك لأنه يهون ... كل ما يعنيه ويتندّم عليه، وينقم على من أوقعه فيه من دالٍّ على المعصية، ومزيّن للقبيح، ومعاقر للخمرة، وشريك في المخدّرات، ومغرّر بالزنا، ومُوقِعة أو موقع في الفجور إنما هو خسارة الرّوح والقلب والضّمير، وحياة الإيمان بالله ومعرفته وطاعته وعبادته إذ لا شاغل ذلك اليوم للإنسان غير هذه الخسارة ٧، وما يرتبط بالمصير.
وحياة القبور أول ما يشهده الإنسان من عدل الآخرة التي لا حكم فيها لغير الله، فهناك لا أثر لغنى أو فقر في تقديمٍ أو تأخير، وإنّما المنظور في ذلك قيمةُ الذات، ورفعتها أو دناءتها، وفي القبر يتحوّل الغني والفقير إلى شيء واحد من أعضاء متفكَّكة، أو رميم أو تراب ذاب في التراب.
وماذا يعني ضيق القبر وضَننْكُه وظلمته وغربته؟ أهو ضيق وضنك يعاني منه بدنه، وظلمة تستولي على بصره، وغربة يرفعها جليس من أهله؟ الأمر أعمق من هذا وأشد وأقسى. إنه ضيقٌ وضَنْكٌ وكرب يأخذ على الروح كلّ أقطارها، وظلمة يأس وانطفاء أمل وهمٍّ وغمٍّ وألم وعذاب، ودونيّة تعيش شعورها النّفسُ، وإحساس بندامة لا مفرّ منها ولا مخرج، ومعاناة من طعم الاحتقار وما يلمّ من خوف وفزع ورعب، وأهوال فوق كلّ حساب.
ولعليٍّ عليه السلام في المنقول عنه حديث عن هذا الضيق والضنك والظلمة والغربة:" يا عباد الله ما بعد الموت لمن لا يُغفر له أشد من الموت؛ القبر، فاحذروا ضيقه وضَنْكَه وظلمته وغربته .... وإن المعيشة الضَنْكَ التي حذّر الله منها عدوّه عذاب القبر ..." ٨ وذلك إشارة