محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٢ - الخطبة الأولى
وإذا وقفت أمام جمال معنويّ كعلم عالم، كحكمة حكيم ربّما شغلك هذا عن ربّ الحكيم وربّ العالم.
الأسباب قد تعمي عن ربّ الأسباب سبحانه وتعالى، ويكون الأنس في ظلّها للصغير، ويضيع على المرء بذلك الأنس الأكبر بأكبر كبير.
" علامة الأنس بالله الوحشة من الناس" ٧.
قد مرّ السر في ذلك، لأن القلب المشغول بأنس الله لن يلقى في غيره أنساً بذلك المقدار، لن يلقى أنسا من أحد فيه قيمة تذكر، وفيه ملفت نظر لذلك القلب الآنس بالله. وأنت تعيش اللذة الكبرى على أي مستوى من مستويات اللذة هل تأخذ من نفسك لذة أخرى أقلّ منها؟! منظر طبيعي أخّاد جذّاب، تدير نظرك عنه فيقع على منظر طبيعي فيه جمال ولكنه أقل، فما أسرع أن تعود عينك تلقائيا إلى المنظر الأول، تصوّر المنظر الثاني بفص المنظر الأول لن تبقى له جاذبية في النفس، ولا سحرلها. لو رأيته في المرة الأولى وقبل أن ترى المنظر الأول لسحرك، واستقطبك، لكن تسقط جاذبيته، ولا يبقى له أي استقطاب في ظل منظر جمالي أكبر.
وأنت تأكل وجبة هي ألذّ وجبة، فتعرض عليك وجبة أخرى أقل في جودة التحضير وتحاول أن تستذوقها، فلا تجد لها ذوقا.
" من خرج من ذلّ المعصية إلى عزّ الطاعة آنسه الله عز وجل بغير أنيس وأعانه بغير مال" ٨.
آنسه بغير أنيس لأن هذا المرء يجد أنسه في الله، ولا يحتاج إلى أن يبحث عمن يستأنسه به من الخلق، ولماذا؟ لأن الطاعة تعرّف بالله، لأن الطاعة تقترب بالنفس إلى الشعور بجمال الله وكمال الله وقوة الله ورحمة الله، لأن الطاعة طريق صعود النفس، وإذا صعدت النفس عرفت من الله عز وجل ما يغنيها، ويؤنسها.