محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٨٩ - الخطبة الأولى
والأشرار، وإقامةِ القضاء العدل بين النّاس ليلقى كل امرء ما عمل، ويُجزى الظالم والمظلوم ما يوافق ظلم الظالم من الاقتصاص، ومظلومية المظلوم من الإنصاف.
إنه الظن السيء، البعيد عن الحق، القائم على الغفلة، المنفصل عن النظر العلمي، والتدبُّر في الخلق أن يرى الإنسان أنه يُترك سدى، ويُهملُ أمره، ويعيش حياته الدّنيا يجدُّ فيها أو يلعب، ويُحسِن أو يُسيء، ويؤمن أو يكفر ثمّ ينتهي وكأنه لم يكن شيئاً، ويذهب بلا حساب، ولا جزاء، وكأنّ الخلقَ بلا حكمة، والإيجادَ بلا غاية، وكأنّ الخالق يخلق ويُهمِل، ويوجد لعباً وعبثاً.
ولو أعطى الإنسان النظرَ العلميّ حقّه، وأمعن في مراحل وجوده وحياته لوجد غير ذلك، وأنّ لكل مرحلة من مراحل وجوده وتطوره غاية توصل إليها، وتقع مقدِّمة في طريقها، وأنْ لم يأت شيء من هذه المراحل عبثاً، ولم يقعْ لعباً.
وإنَّ هذا الخلق المتدرّج الدّقيق كما هو ناطق بالتخطيط المتقن والحكمة، ناطقٌ كذلك بالقدرة. يقول سبحانه: أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً، أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى، ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى، أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ١٠.
فتركُ الإنسان سدى، وإهمالُ شأنه إهمالًا، وعدم وضعه على مسار الغاية التي تُصحِّح خلقه، وتخرج به عن اللعب والعبث إنّما يكون لفقد الحكمة أو القدرة وذلك مما ينافي كمال الله المطلق، ويكفي الإنسان بأن لا يحمل صنع الله عز وجل على اللعب والعبث والإهمال أن يطالع خلق نفسه المليء بالدلالات على الحكمة والقدرة.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التّواب الرَّحيم.