محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٨٨ - الخطبة الأولى
في النار فيقول: أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ، فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ٥.
إنه لظنٌّ سخيف مستنكر ساقط أن يصدر من الملكِ الحقّ بلا باطل ٦، والكمال المطلق بلا نقص، والجمال غير المتناهي بلا قبح، والجلال المطلق غير المحدود بلا عيب شيء من لهو أو عبث أو لهو.
والعجز يمنع منه المُلْك التكويني المطلق لكل شيء، ولكل ما يمكن أن يكون سبباً، ولكل ما يمكن أن يكون مانعاً، ولكلّ ما يمكن أن يكون شرطاً، ولكل صغير وكبير موجود، ولعدم ووجود كل شيء معدوم ممكن. ولا يستحيل الوجود إلا على ما كان واصلًا نقصه إلى حد الامتناع فيرجع ذلك إلى نقصه، وعدم قابليته الذاتية لنعمة الوجود، والخروج من كتم العدم كما في شريك الباري عزّ وجل. ٧
ويقول سبحانه: وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ٨ وفي آية أخرى: وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ، ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ، إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ٩.
خَلْق السماء والأرض لتزولا، وخلق كلّ شيء ليذهب بلا بقاء لشيء مما يوجد، ولا مقدِّميّة من هذه الأشياء لموجود يكون له الاستمرار لعب منفيٌّ عن الحكيم، ولا يُخرج هذا الخَلقَ عن وصف اللعب أن تبقى الأشياءُ وقتاً محدوداً، وأن تكون لها غاياتٌ قصيرة متقضّية كما في تسخيرها لإنسانٍ يأتي عليه الهلاك بلا إعادة لحياته، ليجد ما قدّم من عمل، وينال ما هيأ نفسه له من جزاء.
ويقابل الخلق اللعبَ الخلقُ الحقُّ اللائقُ بالحقِّ والحكيمِ المطلق، وخلقُ السماوات والأرض بالحقِّ مرتبطٌ بيوم الفصل، وموعدِ القيام، وتيبُّن الحقِّ من الباطل، والتمييز بين الأخيار