محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٦٩ - الخطبة الأولى
ونجد تفسير كلّ ما قام ويقوم من شيء، وما كان ويكون من حياة في الكون كلِّه في قوله تعالى ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُ ٨ وَ أَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ٩
فالله هو الحقُّ عين الحقّ، وحاقّ الحقِّ، ومحض الحقِّ، وذات الحقِّ والوجود الخالص المطلق.
إنّه سبحانه ذات حقيقة الوجود، وكلّ شيء آخر موجودٌ إنما هو شيء متصف بالوجود ١٠ وليس هو ذات الوجود. وكل ما هو ليس ذات الوجود إنما يتصف بالوجود المفاض عليه من خارجه.
إن الله سبحانه لو لم يكن وجوده بذاته لما كان يوجد أبداً، لأنه لا يقابله إلّا العدم المطلق، والعدم المطلق لا يمكن أن يعطي الوجود، ولما كان يوجد شيء على الإطلاق ١١ من رحم العدم المطلق. ولكنَّ الأشياء والحياة موجودة وما ذلك إلا لأن الله سبحانه موجود بذاته غنيٌّ عن الإيجاد، منزّه عن الحدوث. والموجود بذاته، وما هو حقّ الوجود، ومحض الوجود لا يمكن أن يفنى ١٢.
ولأن الله عز وجل هو ذات الحقّ، والوجودُ المطلق فكل شيء غير ممتنعِ الوجود، وقابلٍ للوجود لا يخرج عن قدرة إيجاده، وإعادة إحيائه من قبله سبحانه. وكيف يخرج ذلك عن سَعة الوجود المطلق، والإرادة المطلقة، والقدرة المطلقة، والفاعلية المطلقة لله؟!
والله الحقّ بلا شَوب من باطل لا يصدر منه لعب ولا لهو ولا عبث ١٣، والإيجاد للإعدام بلا غاية بقاء لشيء عبث ولعب فكان لابدَّ من غاية بقاء لمحور الأشياء في الأرض ومن سُخِّر له الكون وهو الإنسان وذلك ببعثه بعد الموت ليُحاسب ويُجازى، ويخلُد في نار أو جنة تبعاً لعمله.