محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٦٨ - الخطبة الأولى
ثم كانوا، وأنَّ وجودهم حادثٌ لا قديم، وأنّهم كانوا أمواتاً ثم صاروا يغنون بالحياة؛ فما من أحد منهم ولا من غيرهم إلا ويعلم من نفسه أنّه لم يكن وجوداً ولا حياةً ثمَّ كان.
وها هو الإنسان يشهد انبثاقة الحياة في ما لا يُعدّ ولا يُحصى من الحالات يوميّاً بل في اللحظة الواحدة في النوع الإنساني وفي الحيوان والنبات؛ والبداية مادّة التُّراب الخالية من نبضة حياة، ومن مظهر نموٍّ وحركة، وغنىً فكريٍّ وشعور. ٣
ويشهد الإنسان من نفسه كيف تنقله يد القدرة الإلهية من غير أن يملك من أمره شيئاً من حال إلى حال، ومن طور إلى طور فمن التراب إلى النطفة إلى المضغة المخلّقة وغير المخلّقة، ومن مقر الرحم والحياة الجنينية التي في الوقت المكتوب المحدَّد إلى مرحلة الطفولة الدارجة على وجه الأرض حتى بلوغ الأشُد ٤، ونهاية الوفاة التي قد تتقدم، وقد تتأخر حتى أرذل العمر وإلى أن يخسر الإنسان في حياته الدنيا كل ما علم ويسقط منه أكثر الإدراك، وأكثر الشعور.
وأمام الإنسان منظرُ الأرض الهامدة الجامدة الخاشعة الساكنة فيتنزّل عليها الماء بمقدار فتهتزّ بروح الحياة، وتنهض بها وتتفزَّز وتنبت من حياتها من كل زوجٍ بهيج، وصنفٍ نضير من أصناف الزَّرع والشجر. ٥
ولابد من تفسير لظاهرة الحياة المتجدِّدة في الأرض في عالم الإنسان والنبات ومثلهما الحيوان في كل آن من آنات الليل ٦ والنهار في أمثلة ومصاديق لا يُحصيها النّاس ولو اجتمعوا جميعاً على إحصائها. ٧