محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٥١ - الخطبة الأولى
ذلك بترك صاحبها لها أن تقود فينقاد، وأن تأمر فيأتمر، وكأنه خِلْوٌ من العقل، والرُّشد، والإرادة، والنّظر في العواقب، واحترام الذات.
ولو آمن مثل هذا المرء بالآخرة فإنّه لا يُوقن بها، وإيمانه يكون مغيّباً مكبوتاً وراء الظلمات، ويعاني من قلق واهتزاز، ولا قوّة له على ردع عن رذيلة، وارتكاب فحشاء، ومواقعة منكر، ولا يعطي دفعاً لتحمّل واجب، والنهوض بتكليف.
وربما بلغ التدهور بالنفس من فِعْلِ السيئات مبلغاً خطيراً لابُد أن تفارقه حالة الإيمان، وتتخلّى عنها النفس.
وكلُّ العقائد الحقّة تحتاج في استقرارها إلى أجواءٍ نفسية وروحيّة غير طاردة، وتلوّثُ جوِّ النفس بالذنوب والآثام لا يناسبها.
ومن طغيان حبّ الدنيا على النفس وتعلّقها بها، وحاكمية الشهوات أن تطلب الدّنيا بالآخرة في الكلمة والموقف، وحتى من مثل صلاتها وحجّها وخمسها وزكاتها وجهادها حتى إذا فقدت هذه الأمور العبادية ما كان لها من مردود دنيوي تمّ التخلّي عنها وإسقاطها.
أمّا أصحاب القدم الثابت في الإيمان بالله واليوم الآخر فيظلُّ خيارهم الآخرة وإن تهدّدهم الموت في سبيل الله، وزحفت إليهم المنيّة جادّة لسلوك هذا السبيل، واجتمعت عليهم كلمة الأذى من الناس كلّ الناس ... مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ... ٢ وقد يعمل الإنسان عمل الآخرة وهو يريد الدّنيا، وقد يعمر الدُّنيا ولكن بإرادة الآخرة.
ولمّا جاء الإسلام كثرت بركات الدّنيا وغزر خيرها بفضل الله سبحانه، وبما بذل الرّسول (ص) من جهود، وأخذ به من سياسة حكيمة عادلة، ولم يكن يريد من إعمار الدّنيا إلّا