محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٨٧ - الخطبة الأولى
الإنفاقُ في سبيل الله يقيم حقّاً ويهدم باطلًا ٤، وينشئ عدلًا ويسقط ظلماً، وينشر علماً ويزيح جهلًا، ويُحوّل الحياة نوراً بعد ظلمة، وأنساً بعد وحشة، وهدى بعد ضلال ٥. وهو لراحة الإنسان وأمنه وحرّيته وكرامته ورشده وعُلاه. وذلك كلّه بعكس ما يترشّح عن الإنفاق في سبيل الشيطان والهوى والانحراف ٦.
والبخل بالعلم والنصيحة والإرشاد والتوجيه، وكتمانُ الهدى، وإخفاء الدّين عمن هو أهل له، والامتناع عن كلمة الخير مع إمكانها، وأن يسيء المرءَ فعلُ الخير، والعطاءُ والجود من غيره فينهى عنه، وطمس ذكر أهل الحق والفضل والكرامة؛ كل ذلك من أشدِّ أنواع البخل وأقبحِها.
يقول الكتاب الكريم عن بعض هذه الصور الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَ يَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ... ٧. وفي الحديث" أن أبخل الناس من بخل بالسلام" ٨،" البخيل حقا من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ" ٩.
وهناك صورة كاذبة من الكرم وراءها نفسيةٌ تستبطن البخل، وتنطوي على الحرص، وتُشدِّد القبضة على ما في اليد من حطام الدّنيا. سؤالٌ بالخير من الله سبحانه للإخوان، وقبض لليد الواجدة المليئة عن البذل وإن سهُل؛ ففي الحديث عن القائم (عجّل الله فرجه وسهّل مخرجه):" إني لأستحي من ربي أن أرى الأخ من إخواني فأسأل الله له الجنّة وأبخل عليه بالدينار والدرهم، فإذا كان يوم القيامة قيل لي: لو كانت الجنة (لك) لكنت بها أبخل، وأبخل، وأبخل" ١٠ إذ ما قيمة الدينار والدرهم الذي عزّ عليك بذله بإزاء الجنّة التي عظّم