محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٧٣ - الخطبة الأولى
حتى لدلالاته القريبة من الحِسّ، ولو استولت الغفلة لغام المحسوس حتى السطح منه، وصارت العين كأنها لا ترى.
أما البصيرة فلها شأنٌ آخر، ووظيفة أبعد وهي أبعد مدى وأعمق غوراً فهي تتناول أمهات الحقائق وأصولها. فعنه عليه السلام:" فإنما البصير من سمع فتفكر، ونظر فأبصر، وانتفع بالعبر، ثم سلك جُددا واضحاً يتجنّب فيه الصرعة في المهاوي" ٧.
فالبصيرة تذهب من المُشاهَد الحسي لِكلّ دلالاته، وتستوعب أبعد ما يرمز إليه، وتستلهم كل إشاراته وما يمكن أن يترتب عليه من دروس، وتنتفع من ذلك كله في الأخذ بالخيارات الرشيدة، وسلوك الطريق القويم الواصل الآمن.
وفي مفارقة بين أهمية البصر والبصيرة تقول الكلمة عنه عليه السلام:" فقد البصر أهون من فقد البصيرة" ٨.
ذلك لأن عطاء البصيرة أكبر، ولأنّه لا يوجد عوض عنها، وخسارتها خسارة هائلة مصيرية تجتاح نجاح الدنيا ولا يكون معها نجاح في الآخرة.
وللحفاظ على البصيرة، وتعميقها وتركيزها وتوسيعها علينا أن نأخذ بالهدى، ونحمل النفس عليه، ونتبع الحق وإن وجدناه مرّاً، ونفتح صدورنا لتلقيه وإن صعب ذلك على النفس وأرهقها.
وفي هذا يأتي القول عنه عليه السلام:" بالهدى يكثر الاستبصار" ٩.
وكُنْ- أخي المؤمن- من أشار إليه الإمام عليه السلام في كلمته الآتية لتكون أبصر الناس فعنه عليه السلام:" أبصر النّاس من أبصر عيوبه، وأقلع عن ذنوبه" ١٠.