محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٧٢ - الخطبة الأولى
قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ٢.
والنتيجة لعمى القلب وصممه لا تُقاس بسوئها نتيجة وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ٣.
قلوبهم حسب الفطرة فاقهة، وأعينهم باصرة، وآذانهم واعية، وأما ما صارت إليه هذه القلوب والأعين، والآذان من انسداد وعمى وصمم فذلك لأنهم ضادّوا الفطرة وخرجوا على مقتضاها فأفسدوها على أنفسهم، وطمروها. ولذلك ولما أسقطوا به قيمة إنسانيتهم وانحدروا بمستواهم عمداً إلى ما دون مستوى الأنعام ناسبهم جدّاً أن تكون عاقبتهم النار.
وفي كلمات المعصومين عليهم السلام أن التمتع بسلامة العين، وقوة البصر الحسي لا يعني شيئاً على مستوى إدراك الحقائق المعنوية، وتلقِّي دروس الرّوح والحياة الإنسانية التي تقف وراء مشاهد الحسِّ ومعايناته. فتبقى المشاهدات كلّها حسيّة، وقد تَنْفَذُ الرؤية إلى قوانين المادّة وعلاقاتها دون إدراك الحقائق الكبرى العالية ذات العمق المعنوي التي يعكسها المحسوس في واعية وشعور أصحاب البصيرة، ويقوم شاهداً عليها.
عن أمير المؤمنين عليه السلام:" نظر البصر لا يُجدي إذا عمي البصيرة" ٤.
وعنه عليه السلام:" فاقد البصيرة فاسد النظر" ٥. ٦
ويفهم من الكلمتين العاليتين ما تقدم ذكره، وإن كانت الغفلة قد تتناول حتى المستوى القريب ليبقى المحسوسُ سطحيّاً والواقع تحت النظر الصورة الخارجيّة من غير الوصول