محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٧٠ - الخطبة الأولى
صاحب البصيرة يفقه الدلالة الورائية البعيدة مما يكون خلف المرئي والمسموع، ولا يقف به النظر عند حدّهما، ويستوعب الحكمة والدرس مما يصل إليه من حوادث الحاضر والماضي، وما يزخر به الكون من أشياء.
وحين نأتي إلى التطبيق نجد فرقاً كبيراً بين عالِمين كلٌّ منهما وقف على الأسرار العلمية الهائلة في تكوين الذَّرة والخليّة مثلًا، والتصميم الدقيق المبدع في المنظومات الكونية، والأبعاد الشاسعة للنظام الكوني وامتداداته البعيدة المكتَشَفة والمتجاوزة لمئات الملايين من السنوات الضوئية من غير أن يدخلَها خلل أو يسودَها اضطراب؛ عالِمَين كانا كذلك ووقف كلٌّ منهما على الملاءمة والتناسق الكامل بين كل عضوٍ في الموجودات الحيّة ووظائفه والحاجة إلى هذه الوظائف، والتلاؤم والتكامل بين مجموع الأعضاء للحيّ وفي ما تختص به من وظائف، وعلى التناسق بين حاجة الأحياء في الأرض وما تغنى به هذه البيئة مما يُلبّي الحاجة من غذاء وشراب ومسكن وملبس وأشياء أخرى لأحيائها، وعلى معادلات موزونة وزناً بالغ الدِّقّة في كل صغير وكبير من أشياء الكون العريض ثمّ من بعد كل هذا يذهب أحد العالِمَين إلى رؤية الخالق المدبّر العليم الحكيم القادر القاهر وراء هذا الخلق المتقن المسيَّر بينما يعمى الآخر تماماً عن رؤية هذه الحقيقة ليتضح للآخرين أنه فاقدٌ للبصيرة وإن تمتع ببصر حسّي حديد كبَّرته الصناعة ما كبّرته، وإن جمع من علم الحقائق والقوانين المرتبطة بعالم المادة ما جمع، وإن بنى على ما علمه من هذه الحقائق ما بناه من استفادات عملية في مجال التعامل مع المادة وقوانينها.