محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٦١ - الخطبة الثانية
وحضارة هذه الأمة إلاهية، ووعيها كبير، ورؤيتها متجذرة، وهادفيتها عالية، ورشدها بالغ. وهي أمة رسالية جادّة على طريق صنع الإنسان الكبير والأوضاع الحياتية المتقدّمة، وتثبيت المسار القيمي الكريم القويم العادل الوضيء في هذه الحياة، والاتجاه الصاعد بعقل الإنسان وقلبه وإرادته وسلوكه على صراط ربّه العظيم.
إنها أغنى الأمم في مستوى انتمائها، وإرثها الحضاري، ودورها الرسالي الضخم، ورموزها الشامخة، وقيمها الخلقية الرفيعة ودينها القويم.
وأمة هي الأغنى في كل ذلك لا تستورد الخبيث، ولا تهبط إلى مستوى الإسفاف، ولا تكون إمَّعة، ولا تركض برجلها وراء كل ساقط، ولا ترفع صوتها مع كل ناعق، ولا تقبل أن تكون سوقاً مفتوحاً لكل العادات والتقاليد من مبتكرات الجاهلية، ولا تسرع في استقبال كل جديد وإن سفّ، ولا تُخترق لكل المحاولات الخبيثة.
أمة بهذا المستوى تجدد وجودها وحياتها بوعي على خطّها الحضاري الكريم، وتعيد إنتاج ذاتها على نفس الخطّ صاعدة صامدة، وتحقق كل يوم قفزة على هذا الطريق، وتنجز نجاحات مستجدة متوالية، وتنتقي الجيّد مما تعرضه سوق الفكر وسوق الثقافة والسياسة والاجتماع وغيرها، وتختار لنفسها بوعي لا أن تعطي بيدها لخيارات الآخر ومخططاته ومؤامراته، وصياغاته في سذاجة واستسلام.
وقد نهت الأحاديث المعصومية الشريفة من ظاهرة فقد الوزن، وعدم الإحساس بالذات، والثقة المفرطة في الآخر، أو التبعية البلهاء لكل ما يكون عليه، ولكل ما يدخل فيه، ويبتلي به، ويقع في مهاويه، وذلك بمثل هذا الحديث" لو دخلوا حجر ضب تبعتموهم" ٢٧