محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٦ - الخطبة الأولى
الصِّدق وهو مضيَّعٌ بين النّاس في الحياة الدنيا؛ فكثيراً ما يَسرق القويّ جُهدَ الضعيف، ويستولي عدواناً على ما أنجزه عرقُه، وما أثمرته أتعابُه.
والأيدي الظالمة التي تضع يدها غصباً على مكاسب الآخرين ممن يبلغون عشرات الألوف، ومئات الألوف، والملايين لا تعد في هذا العالم ولا تحصى، ولكن الله بكل شيء محيط.
وحصيلة عمر الإنسان ودنياه، وما يبقى له منهما، وما هو له حقّاً من كلّ جولته على ظهر الأرض، ورحلته في هذه الحياة هو عمل صالح يبني ذاته وينفعه، أو عمل طالح يهدم ذاته ويضرّه، ولن يلقى غداً بعد موت لابد أن يصيبه غير عمل صالح فيه فلاحُه، أو عمل سيء فيه عذابه.
أمّا مال الدنيا وزينتها وجاهها، وما فيها من نعم تزول فهي للاختبار، وتقوّم الحياة على الأرض التي كانت من أجله، وتمثّل فسحته.
وكل ذلك، إن هو إلا متاع، وما الحياة الدنيا إلا إلى حين.
يقول سبحانه: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ٢.
وإذا كان لا تزر وازرة أخرى من وزري شيئاً ولو قليلا، وأن ليس لي من سعي المحبين والمشفقين والمخلصين ما أنجو به، ويكفيني شرَّ العذاب، ويدفع عني غداً سوءاً، وأصيب به خيراً فما قيمة أن لو حفّ بأحدنا الملايين من الناس واختفَوا به، وكانوا على صدق مع الله، وكان هذا الواحد على كذب، وكانوا من أخلص المخلصين وكان هو غير ذلك؟! فلا يشغلن أحدنا هم العلاقة بالنّاس عن همّ العلاقة بالله، وطلبِ المكانة عنده. ولتخلص