محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٨٤ - الخطبة الأولى
إليها عن الآخرة حتى تأتيَه المفاجأة، ويُنادى أن امشِ إلى المصير المحتوم، فقد حلّ يومك الأخير، واللحظة الخاتمة، وهو عندئذ لا يملك امتناعاً، ولا يردُّ قضاء، ولا حيلةَ له في فِرار.
الحياة عند العاقل وفي نظر الدين لا للهو واللعب، ولا للخمول، ولا لذّة تذهب وتبعة تبقى وعذاب يدوم، وإنما الحياة لسباق العمل الصالح الباقي، وبناء الذّات الإيمانيّة المؤهلة لسعادة يوم الدين، وهي دار التزوّد للآخرة، وزمانُ الزرع لها.
وما ضُيّع الهدف الأخرويُّ في الدّنيا مهما عظُمت إنجازاتها، وجدّ التنافس فيها، واحتدم الصراع على ما فيها إلا وكانت لهواً ولعِباً، وليس أصدقَ من كتاب الله العزيز الحكيم وهو يقول: وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ لَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ١، وَ ما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ٢، اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٌ وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ ٣.
فعِلْمُ الإنسان وجهده واكتشافاته واختراعاته ونظرياته وتطويره للأوضاع وكل إنتاجه وإنجازاته لا تتجاوز بالحياة المفصولة عن هدف الآخرة حدَّ اللهو واللعب ٤، ولا تزيد على نبات أعجب زراعه وزرّاعاً غير زرّاعه باخضراره وزهوه وترعرعه إلا أنه سرعان ما صار إلى ذُبولٍ واصفرار وتفتُّت وهشيم. ولا يكفي زُراّع الدنيا للدنيا أن يخسروا ما زرعوا ويجدوه هشيماً، وإنّما لهم بما نسُوا اليومَ الآخِرَ في الآخرة عذاب شديد.