محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٨٣ - الخطبة الأولى
المُطبق لكانت الآمال يائسة، والطموحات كاذبة، والجهود ضائعة، والسعي خائباً والرجاء واهماً، والحياة عابسة.
إنَّ ما يعطي الحياة على متاعبها وآلامها روعة ولذة، ويهب الإنسان الرضى إنما هو الآخرة، وموعود الله الجميلُ فيها.
وكلُّ دلائل المغروس الإنسانيّ ووجدانه الفطريّ، وأملِهِ في الخلود، وتطلُّعه البعيد، وتعلّقه بالسعادة، وانشداده للقيم العالية مما يشُحّ في الحياة الدنيا من العدل والإحسان وجوّ الصّفاء والوفاء والمحبّة الصادقة والمودّة، إلى جانب مقتضى الحِكمة الإلهية المشهودة للعقل، وما عليه الكون من هادفيةٍ تعمُّ كبيره وصغيره، ودقةٍ في الصنع، وتناسب بين كل مخلوق ودوره وهدفه وغايته، وما أجمعت عليه الرسالات السماوية من فكرة الآخرة لَتُؤكِّد حقيقة تلك الحياة، وتشدّد عليها، وتستثير في العاقل الاهتمام بها، والتوجُّهَ في حياته الدُّنيا إليها.
فاحتمال الآخرة عند من لم يُوفّق لليقين بها لا ينبغي في ضوء ما تقدّم إلا أن يكون كبيراً جدّاً.
وإذا انضمّ إلى ذلك ما عليه خطورة المُحْتَمَل مما سيقدم يُقدم عليه الإنسان والمردد بين عذاب دائم شديد غليظ لا تعرف الحياة الدنيا صورة مقاربة له، ونعيم مقيم لا ينقطع، وحياة سعيدة أبدية متصلة لم تشهد الدنيا مثيلًا للذائذها تّحتَّم على العاقل أن يكون هدفه الآخرة لا الدنيا، وسعيُه للباقية لا الفانية، وكلّ منهج حياته على الأرض متّسِقاً مع الهدف البعيد. وليس رشيداً من أكبَّ على الأرض، وقَصَرَ اهتمامه على رغباتها، وانصرف