محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٧١ - الخطبة الأولى
ولأن طاقة التفكير عند الإنسان لا تطال عالم الغيب في تفاصيله وكنهِ حقائقه،- وإن اضطرّت العقول للإيمان بذلك العالم- كان عليها أن لا تُشغل نفسها بالتفكير في تلك التفاصيل، وكُنهِ تلك الحقائق، وأن تتلقّى ما تحتاجه حياة الإنسانية من أمور الغيب عن طريق ما يتنزّل من وحيٍ على الرسل والأنبياء عليهم السلام.
* التربية الروحية:
أ. قد وضع الدين أسسها وشروطَها، ودخل بصورة موسَّعة في تفاصيل منهجها وجزئياتها وممارساتها كما يشهد بذلك النظام العبادي التوقيفي الذي لم يُعطِ الإنسان حرية الاجتهاد والتصرف فيه بأيِّ تغيير من حذف أو زيادة، أو تكييف مخترَع.
وإن أساتذة الروح من الأنبياء والرسل وأوصيائهم ومن كان أقرب إليهم قد قدّموا كثيراً على ضوء المنهج الإلهي في تربية البدن، وتربية الفكر، إلا أنّ جهدهم كان هو الأبرز في مجال تربية الروح.
والأنبياء والرسل والأوصياء هم الأعظم من أبناء البشرية، ومائزهم الأكبر أن الآفاق الروحية التي يعيشونها لا يكاد يقربها أحد، وهم وإن قد صبّوا جهدا كبيرا- كما تقدم- على نجاح تربية البدن وأكثر منه في تربية الفكر، إلا أن مصبّ أكبر جهدهم هو حياة الروح. وإن المساحة الروحية في القرآن هي أوسع مساحة على الإطلاق، وقد ربطت التربية الدينية سعادة الإنسان مطلقاً بهدى وشفافية القلب وصلاح الروح.
والتربية الروحية قد استأثر الدين بوضع تفاصيلها وجزئياتها، وقدّم منهجاً مستوعباً في مجال هذه التربية بالصورة التي يتكفل بها على مستوى التفاصيل والجزئيات في الميادين