محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٧٩ - الخطبة الأولى
وهناك فرق عند النّفوس الشّريفة وفي وجدانها الفطري الصافي بين ما يعني بذله للآخر كرماً وجوداً وسماحةَ نفسٍ وفضيلة كالمال يُبذل لمحتاجه، وبين ما يعني بذله خسّة نفس وانحدارة، وسقوطاً، وتضييعاً للقيم، وهدراً للكرامة، وفَقْداً للعفّة، وتبذُّلًا، وترجّساً وتنجّساً كما هو الحال في السّكوت على الانحرافات الجنسيَّة الخطيرة أو ما يقع على طريقها مما قد يُصيب ببلائه الشنيع من يُصيب من ذكر أو أنثى والرضى بذلك فضلًا عن المساعدة عليه.
وما عليه فطرة الإنسان وتاريخه أنَّ أهل الشرف والرّفعة والسموّ من بني الإنسان تجدهم أسخياء بالمال، حريصين على سلامة العِرض وطهارته، أمَّا أهلُ الدّناءة النفسية فربما وجدتهم شحيحين بالمال حريصين عليه أشدّ الحرص، متساهلين في أمر العرض.
وللإسلام موقف واضح جليّ قويّ من مسألة العِرض والغيرة على الأهل، وحماية الشّرف، والمنع من تسلُّل حالة التبذُّل في الأسر، ووصول اليد العابثة إلى حريمها بما يَمسُّ العرض والكرامة، ولو كان في ذلك بذل النفس والنفيس.
ولننعطف بالحديث على طريق حديث المعصومين المرويّ عنهم عليهم السلام ففيه الكفاية:
الغيرة والإسلام:
عن الرسول صلّى الله عليه وآله:
" إن الغَيْرة من الإيمان" ٣، فحيث يكون الإنسان متوفّرا على الإيمان فإن الإيمان ينبت في نفسه الغيرة، ويضعه على طريق حماية العرض والذود عنه، وحيث لا غيرة عند الإنسان فإن في ذلك درجة من الكشف عن ضعف الإيمان إلا إن لم يكن انعدامه.
" إن الغيرة من الإيمان، وإن المذاء ٤ من النفاق" ٥. فهناك أرضيتان: أرضية إيمان، وأرضيّة نفاق، أرضية الإيمان لها نباتها، وأرضيّة النفاق لها نباتها الآخر، أرضية الإيمان ماذا تنبت؟