محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٤٥ - الخطبة الأولى
مهزومون لِبَرِيقِها، مَغلوبون لهوى النفس، قلوبُهم منفصلة عمّا تَثْقُل به العقول من حقائق ٧.
وليطالع أحدنا ما أمضى من عمره للدنيا في شهواتها ورغباتها ولذائذها من غير تقوى فما كسب أو أنفق، وماذا بقي له من هذا الحصاد غيرُ الآثار الجسمية السيئة لما أسرف في أكل، وشرب، ولذائذ ماديَّة أخرى، وغيرُ الظّلمة الروحيّة لما كان منه من نهب وغصب وسرقة وبغي، وغير الهبوطِ النفسي لما تكرّر عنده من الهزيمة أمام الصَّبوة والشهوة.
إنَّ وقفةً مع تاريخ من هذا النوع، ومراجعةً جادّة له في تفكّر وتأمّل، ومحاسبة دقيقة من أجل مصلحة الذّات للنّفس الأمّارة بالسّوء بقلبٍ لم يخسر قابليّة الهُدى والاعتبار لَيُمكِنُ أن تتحوّل بالمرء إلى خيارٍ غير خيار، وأخلاقيّة غير أخلاقيّة، وثورة لا تُبقي من سوء النّفس وعار الماضي شيئاً إلّا وأتت عليه، ليحتفظ هذا المرء بقيمةِ ما تبقّى من حياته بعد ضياع الكثير، ويصرِفَ ما يستقبله من بقيّة المُهلة في ما ينتهي به إلى كريم الغاية، وحسن المآل. فعن علي عليه السلام:" لَوِ اعْتَبَرْتَ بِما أضَعْتَ مِنْ ماضي عُمْرِكَ لَحَفِظْتَ ما بَقِيَ" ٨.
وإنَّ مشاعر الحيّ لتهتزُّ أمام الكلمة الآتية الواعظة المنقولة عنه عليه السلام لتحمل صاحبها على مراجعة واقِعِهِ، والخروج من حالة الغفلة والسّهو والاستسلام للعادة السّيئة، والشّهوات الرّخيصة، والأهداف الواهمة، والإسراف في الانشداد للدّنيا، والتّفريطِ في أمر الآخرة" إنّ لكم في القرون السالفة لعبرة، أين العمالقة وأبناء العمالقة؟ ٩ أين الفراعنة وأبناء الفراعنة؟ ١٠ أين أصحاب مدائن الرّس الذين قتلوا النبيين، وأطفؤوا سنن (سير) المرسلين، وأحيوا سُنَنَ الجبَّارين؟" ١١. ١٢