محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٤٤ - الخطبة الأولى
فمن كان له بصرٌ لابد أن يعتبر، وغيرُ المعتبر عَمِيُّ القلب، وليس له حظٌّ من نورٍ يهتدي به في سيره الإنساني في هذه الحياة وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى ٢، وعن علي عليه السلام:" لافِكْرَ لِمَنْ لَااعْتِبارَ لَهُ ٣، ولااعْتِبارَ لِمَنْ لاازدِجارَ لَهُ" ٤.
فعدمُ استفادة الدرس مما حملته الأيام الماضية من تجارب ونتائج، وتَحجُّر العقل أمام عطاءات مدرسة الحياة في مختلف ميادينها يدلّ على غباء كبير، وتعطّل في الفكر، وتبلّدٍ في الشعور.
والذي لا يفيده فشل التجارب وخطورة النتائج ولا يأخذ موقفه بعيداً عن تكرار الخطأ، والوقوع في الخسارة فهو غير معتبر وإن أكثَرَ التحليل، والتنظير، والمقارنة والمقايسة، وأعطى دروساً جمّة في التاريخ على المستوى النظري.
وإذا سلّمنا بالعقل والفكر لغير المعتبر، فإن المعتبر أوفر عقلًا وأسدُّ رأياً ففي الكلمة عن علي عليه السلام:" أفضل العقل الاعتبار ...." ٥.
والجاهل هو الأقلُّ حظّاً في الاتّعاظ بتجارب حياته فضلًا عن تجارب حياة الآخرين." من جهِل قلّ اعتباره" ٦
وهذا الجهل ليس فقدَ معلومات، فقد تكون معلومات صاحبه أكثر من غيره بكثير، ولكنّه جهلُ مَنْ فَقَدَ الحكمة، وَوَقَعَ تحت تأثير الغفلة، وسَلَبَ قدرتَه على الانتفاع بالعلم الغُرور. إنّه جهلُ فطاحل من علماء كبار، ومجرّبين كثيراً، ومحلِّلين قادرين، وأصحاب رأيٍ نظريّ ناضج، وقدرةٍ جدليّة فائقة، وأصحاب نظرياتٍ علميّة مُبرهَنة لكنّهم ضعفاء أمام الدّنيا،