محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٤٣ - الخطبة الأولى
وإنّما تكون الاستفادة من التجارب بحفظها، وحفظ نتائجها المترتّبة، والبناء في الحياة عليها، واستحضارها في المواقف الجديدة، والمحاولات المستجِدّة، والخيارات اللاحقة، واستخلاص القواعد والقوانين التي تربط بين التّجارب المتكرّرة ونتائجها المستتبَعَة، لتكون هذه القواعد والضوابط هادياً للسّلوك الجديد، وملحوظةً في خطط المستقبل.
وتاريخ الأشخاص والجماعات والدولِ وكلِّ العالم يختزن كمّاً هائلًا ضخماً ومتنوِّعاً من التّجارب ومحاولات الفشلِ والنجاح، والقفزات والنّكسات، ويُلخِّص في بعض هذه التجارب عطاءَ عبقريّات كبيرة، ويُعطي للعقول المتفتِّحة صورة جليَّة عن طبيعة سير الحاضر والمستقبل التي لا تفارق سير الماضي على مستوى كليات الأمور والقواعد العامة أي مفارقة. ويبقى التاريخ كلّه وكل ما يجري في هذا الكون العريض محكوماً لإرادة الإله الحقّ وهو الله الواحد القهّار.
وعقل التّجارب، وما يُقدّمه سجلّ التاريخ من عبر ودروس وعظات لا يستغني عنه عاقل.
وما أكثر ما قدّمته حياةُ الأخيار والأشرار على مدى القرون وفي الأمس البعيد جدّاً والأمس القريب، وما تُقدّمه حاضراً وفي كلّ يوم من تجارب ودروس حقَّ لها أن تُرشِّد عند المتَّعِظِ خياره في الحياة، وأن يكون هذا الخيار الإيمان، والعمل الصالح، والنية الصادقة، وطلب العاقبة الكريمة الحميدة، وتقديمَ الآخرة على الدَّنيا، والسعيَ إلى مرضاة الله. إنّها تجارب تكشف جليّاً عن تفاهة الهدف الدنيوي، وسفه الخيار المنشدِّ إليه، والمقدّمِ له، وتسلّط الضوء المكثّف على ضياعه وسرابيِّتِه، فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ١.