محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٨٦ - الخطبة الأولى
بسوء عمله، يخسر منها قابليتها لرؤية الحق والتسليم له، ويخسر القدرة على التصديق بالآيات ودلالتها، ويغلق على قلبه أن يرى الحقيقة التي لا يملك العقل إلا أن يثبتها لكفاية الدليل، ولا يبقي لنفسه قدرة الصّبر على ما هو حقّ، وما هو تكاليف الحق، فتلجأ النفس لترضى عن نفسها إلى الجحود والإنكار.
السقوط بمستوى النفس عن طريق السيئات والاستكبار على الله سبحانه وتعالى يفقدها قابلية الإيمان فيكون ذلك من مسؤولية الإنسان الذي أساء لنفسه وظلمها.
ومن خسر نفسه بهذا المعنى لا يتأتّى منه الإيمان. ومن كانوا كذلك فإنّهم بعد معرفتهم بالحق عقلًا لاتملك قلوبهم بعد إفسادها وتلوّثها أن تطمئن به، وتتشرّبه، وتكون مسكناً له، وتستجيب له بصدق.
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ ٥.
يعرفونه ورقاً، يعرفونه لفظاً؟! أو يعرفونه أنّه الحق، وأنه منزّل من عند الله، وأنه الحجة بين الله وبين عباده.
قد تكون معرفتنا وزراً، وحملنا لها كما يعرفونه عقلًا أنه الحق المنزّل من عند الله لكن هذه المعرفة لا تلامس قلوبهم المحجوبة. كما يحمل الحمار على ظهره أسفاراً من معرفة كثيرة عالية نافعة ليس له من حملها إلا الثقل بلا نفع.
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ هل من أحد يُخطئ ولده الذي يعايشه؟! لا يعرفه شبحاً وإنما يعرفه بسماته، وبخصائصه.
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ٦.
المصيبة العظمى أنهم خسروا أنفسهم، فصارت تلك الأنفس نافرة من الإيمان، تكره الحقّ، وتعشق الباطل، وتذوب فيه.