محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٦٨ - الخطبة الأولى
والأمور الفطرية لا تظهر كلّها بوضوح دفعة واحدة، وبصورة مبكّرة عند الإنسان؛ فدافع الأكل والشرب يظهر مبكّراً، بينما دافع الجنس مثلا يتأخر في ظهوره بعض وقت، وكلٍّ منهما لا يُكتسب من الخارج، وإنما هما من منبع النفس بِخَلْقٍ من الله وتقدير.
وكون المجتمع البشري في كل تاريخه، وبمختلف مستوياته البدوية والحضارية، وفي جميع طبقاته، ورغم تعدّد ثقافاته لم يخلُ من الظاهرة الدينية في صورها المتعددة، وممارساتها المتباينة، دالٌّ على أنَّ التديّن ظاهرة فطرية، ولذا تأتي الأسئلة الدينية بمبادرة من الأطفال في سنٍّ مبكّر في مثل السؤال عن خالق الشمس والقمر، والأب والأم وغير ذلك.
ويلازم السؤالُ الدينيُّ النفسَ البشرية في كل مراحل حياتها منذ انفتاحها المبكّر على هذا السؤال، ويلحّ عليها وإن كفرت، أو بقيت تحت سيطرة التشكيك لعوامل مؤثّرة من السلوك والخارج.
وبعيداً عن هذا الطرح الذي لا يُستهدف تناوله بإشباع في هذا المقام فلنسمع إلى الكتاب الكريم في هذا الأمر فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ٦.
فالدين فيما تُفهمه الآية الكريمة- وأساس الدين المتين معرفة الله وتوحيده- هو من الفطرة التي فُطر الناس عليها، وليس على حدّ المسألة الرياضية والمسألة العلمية السياسية أو الاجتماعية أو التاريخية التي ليس وراءها دافع نفسي عام فطري يجعلها محل الاهتمام والإثارة والنظر عند كل الناس.