محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١١٩ - الخطبة الأولى
الناس الذين يعيثون في الأرض فسادا، ولا يكفّون يوماً عن ظلم أنفسهم والآخرين، وعن البغي في الأرض، ولا يقيمون لحقّ الله عز وجل وحق خلقه وزنا هم الذين يؤخذ منهم التشريع، ويرجع إليهم في معرفة العدل؟! بئس به من عدل مصدره الظالمون، ومن حقٍّ يحدده الباغون، ومن خُلُق يراه الهابطون!
وليس العدل كما يراه كثير من البسطاء بأن تساوي بين المتباينين، وتضع الأخضر مكان الأبيض، والأبيض مكان الأخضر، أو تباين بين المتساوين، إن العدل تساوٍ في الحكم حيث يتساوى الموضوعان، وتباين فيه بمقدار ما بين الموضوعين من تباين، وقد تتحد بعض جهات الموضوعات المتعددة، وتتفاوت منها جهات أخرى.
فالإنسان واحد بكل أصنافه من حيث إنسانيته، وعلى ذلك تجمعه أحكام واحدة من جهة هذا الاشتراك، وتتفاوت بعض أحكامه من جهة الاختلاف. في إطار الرجل وحده يمكن أن تتفاوت الأحكام، وكذلك على مستوى المرأة وحدها، على مستواهما معا وذلك من حيث ما بين الأصناف من افتراق. فالغني له تكليفه المناسب لغناه، ذكراً كان هذا الغني أو أنثى، والفقير له تكليفه الذي يلائمه من جهة ما هو عليه من فقر، والقوي له تكليف، وللضعيف تكليف آخر، ولخصوصية الذكورية دخل في بعض التكاليف، ولخصوصية الأنوثة دخل كذلك، ومن أنكر ذلك فهو يرمي بالعقل والمنطق وموازين الحق والعدل جانباً.
وأين الانسان من القدرة على التشريع العادل؟! العدل له مقوّمات، ومن مقوّماته: ١- علم لا يحده ولا يشوبه جهل ولا غفلة.