جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٨٨ - فوريّة وجوب ردّ السلام
أمّا لو ترك الردّ و لم يشتغل حال الخطاب به بشيء من أضداده حتى مضى زمانه فلا بطلان [١].
ثمّ إنّه لا يبعد أولويّة ترك السلام على المصلّي، خصوصاً مع حصول الاضطراب له باستحضار كيفيّة الجواب. و ربّما يقع في شكّ في أنّه سلّم بحيث يجب الجواب أو لا، و غير ذلك [٢]. هذا.
-
(١) لعدم المقتضي كما هو واضح؛ إذ الظاهر أنّ الردّ ليس من الواجبات التي تبقى في ذمّة المكلّف بعد تقصيره في الأداء في تلك الحال، و إن كان ذلك هو المختار في الواجبات الفوريّة، لكن التي تستفاد فوريّتها من الأوامر مثلًا و لو بالقرينة، بخلاف ما نحن فيه، فإنّ فوريّته من كيفيّة ردّ التحيّة عرفاً، فهي من أوصاف المأمور به و قيوده لا الأمر. فعدم الوجوب حينئذٍ في ثاني الأزمنة و ثالثها؛ لانتفاء كيفيّة الردّ عرفاً، و للأصل، و السيرة القطعيّة. فما في مجمع البرهان من أنّه لو كان المسلّم حاضراً وجب عليه الردّ دائماً، و لو غاب و ذهب يجب عليه الذهاب حتى يردّ عليه عندهم على الظاهر، فلا يجوز فعل الصلاة المنافي له ( [١]) بناءً على مسألة الضدّ غريب، و مقتضاه- كما صرّح به هو أيضاً- بطلان الصلوات الاخر و غيرها من العبادات المنافية لذهابه للردّ، بل قال: إنّه يمكن بطلانها أيضاً مع ترك الردّ لو فرض عدم إمكان الوصول إلى المسلّم أيضاً؛ لاحتمال وجوبه حينئذٍ في نفسه و إن لم يسمع؛ إذ ذاك يجب مع إمكانه، فلا يسقط حينئذٍ أصل الردّ ( [١]). و هو كما ترى لا يستأهل ردّاً، خصوصاً في مثل الصلاة المشتغل فيها؛ لإمكان القول بترجيح حرمة إبطالها على وجوب الردّ المستلزم له؛ ضرورة ظهور الأدلّة في وجوبه مع إمكان الجمع. أمّا لو فرض عصيان المكلّف حتى احتاج الردّ إلى الإبطال بالمشي و نحوه من المنافيات بناءً على بقاء وجوبه فلا، و ليس هو من مسألة الضدّ، بل هو من ترجيح مراعاة الحرمة على الوجوب. و كذا لا يستأهل ردّاً احتمال البطلان مطلقاً أي سواءً اشتغل بضدّ أو لا، و لعلّه مقتضى إطلاق البطلان في التحرير ( [٣])؛ إذ لا وجه له إلّا دعوى ظهور النصوص في وجوب الردّ في الصلاة، فيكون كسائر ما يجب فيها من الستر و الاستقبال و نحوهما، و لا ينافيه وجوبه قبلها؛ إذ هو فهم عرفي من اللفظ، كالمحرّم قبل الصلاة لو فرض مجيء نهي به، نحو لا تنظر إلى الأجنبيّة في الصلاة. و فيه: أنّه لا شكّ في ظهور الأدلّة في إرادة أنّ الصلاة لا تمنع وجوب الردّ، لا أنّه من واجبات الصلاة، فلاحظ و تأمّل.
(٢) و للنهي في خبر الخصال المتقدّم و المروي عن قرب الإسناد عن الصادق (عليه السلام): «كنت أسمع أبي (عليه السلام) يقول: إذا دخلت المسجد و القوم يصلّون فلا تسلّم عليهم، و سلّم على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، ثمّ أقبل على صلاتك، و إذا دخلت على قوم جلوس فسلّم عليهم» ( [٤]). و لا داعي إلى حملهما على التقيّة- لمنع جمهور العامّة من الردّ نطقاً، بل عن أبي حنيفة المنع من الإشارة بالإصبع أيضاً ( [٥])- إذ لا معارض لهما إلّا: ١- إطلاق ما دلّ على استحباب الابتداء بالسلام، و يجب الخروج عنها بهما، مع أنّ أقصى ذلك التأخّر إلى الفراغ من الصلاة لا سقوط السلام أصلًا. ٢- و ما أرسله في الذكرى عن الباقر (عليه السلام): «إذا دخلت المسجد و الناس يصلّون فسلّم عليهم، و إذا سلّم عليك فاردد فإنّي أفعله، و إنّ عمار بن ياسر مرّ على رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) و هو يصلّي فقال: السلام عليك يا رسول اللّٰه و رحمة اللّٰه و بركاته، فردّ (عليه السلام)» ( [٦])، و يمكن حمله على الاستحباب الذي لا ينافي الكراهة. و كيف كان فالأمر في الكراهة- خصوصاً مثل هذه الكراهة- سهل.
[١] مجمع الفائدة و البرهان ٣: ١٢٢.
[٣] التحرير ١: ٢٦٩.
[٤] قرب الإسناد: ٩٤، ح ٣١٧. الوسائل ٧: ٢٧٠- ٢٧١، ب ١٧ من قواطع الصلاة، ح ٢.
[٥] المجموع ٤: ١٠٥.
[٦] الذكرى ٤: ٢٤. الوسائل ٧: ٢٧١، ب ١٧ من قواطع الصلاة، ح ٣.