جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٨ - أحدهما يبطلها عمداً و سهواً
................
-
على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمّداً، فإن تكلّمت ناسياً فلا شيء عليك، فهو بمنزلة من تكلّم في الصلاة ناسياً، قلت: و إن قلب وجهه عن القبلة؟ قال: نعم و إن قلب وجهه عن القبلة» ( [١]).
و قال في الآخر: سمعت رجلًا يسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل وجد غمزاً في بطنه أو أذىً أو عصراً من البول و هو في صلاة المكتوبة في الركعة الاولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة، قال: فقال: «إذا أصاب شيئاً من ذلك فلا بأس أن يخرج لحاجته تلك، فيتوضّأ ثمّ ينصرف إلى مصلّاه الذي كان يصلّي فيه فيبني على صلاته من الموضع الذي خرج منه لحاجته ما لم ينقض الصلاة بكلام، قلت: و إن التفت يميناً و شمالًا أو ولّى عن القبلة؟ قال: نعم كلّ ذلك واسع، إنّما هو بمنزلة الرجل سها فانصرف في ركعة أو ركعتين أو ثلاث من المكتوبة، فإنّما عليه أن يبني على صلاته، ثمّ ذكر سهو النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم)» ( [٢]). ضرورة أنّ هذا محلّ امتثال أمرهم (عليهم السلام) ( [٣]) بطرح الأخبار الشاذّة المخالفة للمعلوم من السنّة و للمشهور بين شيعتهم و خاصّتهم، و الموافقة لما في أيدي المخالفين الذين جعل اللّٰه الرشد في خلافهم؛ إذ المحكي عن الشافعي في القديم و أبي حنيفة و ابن أبي ليلى و داود الوضوء ثمّ البناء في صورة السبق ( [٤])، بل المحكي عن الشافعي منهم أنّ له إخراج الحدث بعد ذلك اختياراً ثمّ الوضوء و البناء ( [٥])؛ لأنّه حدث طرأ على حدث، و لأنّه حدث واحد، و لنحو ذلك من الامور التي سببها القياس و الاستحسان و بعض الأحاديث المفتراة. و قد لوّح الخبران المزبوران إلى إرادة التقيّة في ذلك: ١- بذكر القياس فيهما، مع أنّ المقيس عليه عندنا باطل، كما تسمعه في محلّه. ٢- و بذكر سهو النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم). ٣- و بالأمر بالانصراف بنفس وجود الغمز و نحوه ممّا هو ليس حدثاً عندنا، فلا يوجب وضوءاً. و احتمال إرادة قضاء الحاجة من الانصراف فيه- لشيوعه في ذلك، و لشهادة الخبر الثاني- مستلزم لجواز فعل الحدث عمداً الذي هو باطل بالضرورة عندنا، اللّهمّ إلّا أن يحمل على ما سمعته من الشافعي من جواز العمد للحدث بعد فرض السبق منه، بناءً على إرادة الكناية من قوله فيه: «أذىً» و «ضرباناً» و «غمزاً» عن مفاجأة الحدث لذلك، فأمر حينئذٍ بالانصراف و إتمام بقيّة الحدث ثمّ الوضوء و البناء نحو ما سمعته من الشافعي.
على أنّ في إطلاقهما نفي البأس عن الالتفات عن القبلة- المخالف للنصوص المفتى بها حتى ممّن نسب إليه الخلاف هنا كما قيل- شذوذاً آخر، كحصرهما النقض بالكلام، و الأمر أو الرخصة بالرجوع إلى مصلّاه الذي قد يستلزم فعلًا كثيراً، و محواً للصورة، و التفاتاً عن القبلة و غير ذلك، مع أنّ الضرورة تقدّر بقدرها، و كأنّه لذلك فرّقت بين التكلّم و الانحراف عن القبلة؛ لأنّ التطهير و البناء يستلزمه غالباً دون الكلام. إلى غير ذلك ممّا لا يليق بعده لمن له أدنى بصيرة في الفقه الركون إليهما، خصوصاً و في سند أحدهما محمّد بن سنان و موسى بن عمران، و قد ضعّف الأوّل الأكثر، و الثاني مجهول. كما أنّه لا حاجة بعد ذلك إلى تأويلهما بما لا ينافي المختار، و إن أتعب نفسه فيه الفاضل الأصبهاني في كشفه ( [٦])، مع أنّه يمكن القطع بعدم قبولهما له، و لعلّه لبُعد احتمال التقيّة في المرويّ عن أبي جعفر (عليه السلام) منهما؛ لأنّ القول بالبناء من العامّة إنّما حدث بعده، لكن فيه منع، و على تقديره فالطرح حينئذٍ لازم.
[١] الوسائل ٧: ٢٣٥، ب ١ من قواطع الصلاة، ح ١.
[٢] المصدر السابق: ٢٣٧، ح ١١.
[٣] الوسائل ٢٧: ١٠٦، ب ٩ من صفات القاضي، ح ١.
[٤] المجموع ٤: ٧٥، ١٧٦.
[٥] المجموع ٤: ٧٥.
[٦] كشف اللثام ٤: ١٥٧- ١٥٨.