جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٦٧ - ما يجب في الخطبتين
(و قيل: يجزى و لو آية واحدة ممّا يتمّ بها فائدتها) و هو لا يخلو من وجه [١]. [و المراد بالآية التامّة هو ما يكون له معنى معتدّ به بالنسبة إلى مقصود الخطبة]. (و) لكن (في رواية سماعة) الموثّقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):
«ينبغي للإمام الذي يخطب بالناس يوم الجمعة أن يلبس عمامة في الشتاء و الصيف و يتردّى ببرد يمنيّة أو عدني و يخطب و هو قائم، ثمّ (يحمد اللّٰه و يثني عليه ثمّ يوصي بتقوى اللّٰه، ثمّ يقرأ سورة خفيفة من القرآن، ثمّ يجلس، ثمّ يقوم فيحمد اللّٰه و يثني عليه و يصلّي على النبيّ و آله) (صلوات اللّٰه عليهم أجمعين) (و على أئمّة المسلمين، و يستغفر للمؤمنين و المؤمنات) فإذا فرغ من هذا قام المؤذّن فأقام الصلاة و صلّى بالناس ... إلى آخرها» ( [١]) [٢].
-
(١) لإمكان حمل السورة في النصوص السابقة على أحد الأفراد؛ للاكتفاء بها في الخطبة الثانية، و لا قائل بالفرق المزبور. و هو و إن كان يمكن معارضته بالعكس- كما أومأنا إليه سابقاً في الجملة- إلّا أنّه قد يترجّح بإمكان حمل السورة في الاولى على أحد الأفراد، بخلاف الاجتزاء بالآية في الثانية في صحيح ابن مسلم و خطبتي أمير المؤمنين (عليه السلام)، خصوصاً الأخيرتين اللتين هما نقل قوله (عليه السلام)، و احتمال ترك الراوي له بعيد إن لم يكن مقطوعاً بعدمه، مضافاً إلى إجماعي الخلاف و كشف الحقّ بناءً على إرادة ذلك منهما، هذا. و لكن في جامع المقاصد: أن «المُراد بالآية التامّة الفائدة: ما يستقلّ بإفادة معنىً يعتدّ به بالنسبة إلى مقصود الخطبة، سواء تضمّنت وعداً أو وعيداً أو حكماً أو قصصاً، فلا يجزي نحو قوله تعالى: (مُدهَامَّتَانِ) ( [٢]) و لا نحو (فَأُلقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ) ( [٢])» ( [٤])، و لا بأس به. و قد ظهر لك من ذلك كلّه تفصيل الحال في الامور الأربعة.
(٢) و عليها اعتمد في النافع و المعتبر ( [٥]). و قد عرفت ما يقتضي ثبوت بعض ما زاد عليها. لكنّ ظاهره و ظاهر صحيح ابن مسلم إيجاب الصلاة على الأئمّة (عليهم السلام) في الثانية، بل في الثاني منهما ذكرهم (عليهم السلام) تفصيلًا، كما أنّ ظاهر الموثّق المزبور و خطبتي أمير المؤمنين (عليه السلام) إيجاب الاستغفار للمسلمين و المسلمات في الثانية، و صحيح ابن مسلم في [الخطبة] الاولى. فمقتضى الجمع بين النصوص ذلك فيهما معاً، إلّا أنّ ندرة الفتوى بها و ما سمعته من إجماع الشيخ و غيره على الاجتزاء بدونه، و سوق النصوص للأعمّ من الواجب و المندوب و نحو ذلك ممّا لا يخفى يمنع من الجرأة على الوجوب. و إن كان الوجوب في الجملة ظاهر ما سمعته من مصباح السيّد و نهاية الشيخ و النافع و المعتبر و غيرها، بل ربّما استظهر من موضع من السرائر أيضاً؛ لقوله: «قام الإمام متوكئاً على ما في يده، فابتدأ بالخطبة الاولى، معلناً بالتحميد للّٰه تعالى و التمجيد و الثناء بآلائه، و شاهداً لمحمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) بالرسالة و حسن الإبلاغ و الإنذار، و يوشّح خطبته بالقرآن و مواعظه و آدابه، ثمّ يجلس جلسة خفيفة، ثمّ يقوم فيفتتح الخطبة الثانية بالحمد للّٰه و الاستغفار، و الصلاة على النبيّ و آله (عليهم السلام)، و يثني عليهم بما هم أهله، و يدعو لأئمّة المسلمين، و يسأل اللّٰه تعالى أن يُعلي كلمة المؤمنين، و يسأل اللّٰه لنفسه و للمؤمنين حوائج الدنيا و الآخرة، و يكون آخر كلامه: إنّ اللّٰه يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلّكم تذكّرون» ( [٤]). إلّا أنّ الظاهر إرادته الندب من ذلك؛ لقوله فيها قبل ذلك: «أقلّ ما تكون الخطبة أربعة أصناف: حمد اللّٰه، و الصلاة على النبيّ و آله (عليهم السلام)، و الوعظ و الزجر، و قراءة سورة خفيفة» ( [٤]). و ذكره الزجر مع عدّها أربعة لا يريد به وجوبه بالخصوص زيادة على الوعظ كغيره من العبارات السابقة، خصوصاً عبارة الإشارة.
[١] ذكر صدره في الوسائل ٧: ٣٤١، ب ٢٤ من صلاة الجمعة، ح ١، و ذيله في: ٣٤٢، ب ٢٢٥، ح ٢، و فيه: «أقام المؤذّن فصلى» بدل «قام المؤذّن فأقام الصلاة و صلّى».
[٢] الرحمن: ٦٤. الشعراء: ٤٦.
[٤] جامع المقاصد ٢: ٣٩٦. السرائر ١: ٢٩٥، ٢٩٢.
[٥] المختصر النافع: ٥٩. المعتبر ٢: ٢٨٤.