جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٣٨ - حكم الجمعة في زمن الغيبة
................
-
من الامور الأربعة منتفية بالإجماع، على أنّ العبادة لا تكون متساوية الطرفين، و كذا الكراهة، بمعنى مرجوحيّة أحد الطرفين مطلقاً من غير منع من النقيض، فبقي من مدلول هذا الأصل الوجوب و الاستحباب فالثابت منهما أحدهما؛ لأنّ الاستحباب أيضاً منتفٍ بالإجماع على أنّها لا تقع مستحبّة بالمعنى المتعارف، بل متى شرّعت وجبت، فانحصر أمر الجواز في الوجوب، و هو المطلوب» ( [١]).
و هو من غرائب الكلام يقبح بالإنسان التصدّي لبيان بطلانه، بل هذا منه ممّا يؤيّد ما ذكرنا من وقوع هذه الرسالة منه في صغر سنّه.
و أوضح منه تأييداً ما ذكره فيها أيضاً من الاستدلال «بأنّ القول بالوجوب على هذا الوجه قول أكثر المسلمين، لا يخرج منه إلّا الشاذّ النادر من أصحابنا على وجه لا يقدح في تحقّق دعوى كونه إجماعاً أو يكاد، فإنّ جملة مذاهب المسلمين ممّن يخالفنا يقول بذلك، أمّا غير الحنفيّة فظاهر؛ لأنّهم لا يعتبرون في وجوبها إذن الإمام، و أمّا الحنفيّة فإنّهم و إن شرطوا إذنه لكنّهم يقولون:
إنّه مع تعذّرها يسقط اعتبارها» ( [٢]).
و هذا أغرب من سابقه، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّٰه العلي العظيم و إنّا للّٰه و إنّا إليه راجعون من هذه المصيبة العظيمة.
و لقد وقفت على جملة من الرسائل المصنّفة في المسألة نسجوا فيها على منوال هذه الرسالة، و قد أكثروا فيها من السبّ و الشتم، خصوصاً رسالة الكاشاني التي سمّاها بالشهاب الثاقب و رجوم الشياطين. و لو لا أنّه آية في كتاب اللّٰه لقابلناه بمثله.
لكن لا يبعد أن تكون هذه الرسالة و ما شابهها من كتب الضلال التي يجب إتلافها.
اللّهمّ إلّا أن يرجّح بقاءها أنّها أشنع شيء على مصنّفيها؛ لما فيها من مخالفة الواقع في النقل و غيره، بل فيها ما يدلّ على أنّهم ليسوا من أهل العلم كي يعتدّ بكلامهم و يعتنى بشأنهم. و لو أنّ الشهيد يعلم وقوع هذه البلوى ما احتمل الوجوب في الذكرى معترفاً بأنّ عمل الطائفة على خلافه ( [٣]).
و من ذلك ينبغي أن يترك الإنسان ذكر بعض الاحتمالات في المسائل القطعيّة و لو معلِّقاً له على فقد القاطع، فإنّه ربّما كان ضلالًا لغيره.
و نسأل اللّٰه تعالى أن يكون ما صدر من هؤلاء- من شدّة المبالغة في الوجوب، حتى حكي عن بعضهم أنّه لا يحتاط في فعل الظهر ( [٤]) معها- ناشئاً من حبّ الرئاسة و السلطنة و الوظائف التي تجعل له في بلاد العجم.
و إن كان قد يومئ إليه أنّ أكثر الذاهبين إلى ذلك من أهل هذه النواحي، و لقد قيل: إنّ بعضهم كان يبالغ في حرمتها حال قصور يده، و لما ظهرت له كلمة بالغ في وجوبها ( [٥])، بل يحكى عنهم أشياء كثيرة في أمثال ذلك، منها أنّه قد ورد علينا في أيّام كتابة
[١] صلاة الجمعة (رسائل الشهيد الثاني) ١: ١٩١.
[٢] المصدر السابق.
[٣] الذكرى ٤: ١٠٥.
[٤] حكاه في المصابيح ١: ٣٩٥.
[٥] المصابيح ١: ٣٩٥.