جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٩١ - فوريّة وجوب ردّ السلام
................
-
قلت: لكن لم أجد ما ذكره من التخيير فيما حضرني من النصوص.
نعم في خبر محمد بن عرفة عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «قيل لأبي عبد اللّه (عليه السلام): كيف أدعو لليهودي و النصراني؟ قال:
تقول: بارك اللّٰه لك في دنياك» ( [١])، و هو ليس في ردّ السلام.
على أنّ ما ذكر فيه من قوله: «و عليك» بإثبات الواو لم أجده إلّا في خبر غياث، و الموجود في غيره بدونها، و المعنى حينئذٍ متّجه على تقدير قولهم ما في حسن زرارة المتقدّم؛ لأنّ الحاصل حينئذٍ السام- أي الموت و الهلاك- عليكم، أمّا مع الواو فيشكل بأنّ مقتضاه المشاركة و التقرير على ما قالوا، فيكون المعنى: علينا و عليكم.
اللّهمّ إلّا أن تحمل على الاستئناف لا العطف، أو يقال: إنّها له و نمنع الاقتضاء المزبور، بل أقصاها العطف على كلام و نحن نجاب في دعائنا و هم لا يجابون في دعائهم، أو يحمل خبر غياث- بقرينة أنّه عامّي بتري- على الموافق لرواياتهم، و قد قيل: إنّ الأصحّ و الأكثر فيها إثبات الواو، بخلاف نصوصنا ( [٢]).
و كيف كان فظاهر الأمر في النصوص السابقة وجوب الردّ بذلك، كما نقل عن ابن عبّاس و الشعبي و قتادة من العامّة، مستدلّين عليه بالآية ( [٣])، قائلين: إنّ الأحسن فيها للمسلمين و ردّها لأهل الكتاب ( [٤]).
و فيه: أنّه لا شاهد على ذلك، بل ظاهر الآية اتّحاد الموضوع فيها، و حينئذٍ تختصّ بالمسلمين؛ للإجماع- كما قيل ( [٥])- على عدم جواز الجواب بالأحسن لغيرهم، فتحمل النصوص المزبورة حينئذٍ على الرخصة. أو يقال: إنّ ذلك [/ «عليك»] ليس ردّاً حقيقة، بل هو شيء موهِم للردّ شرّع لتأليف القلوب. كما أنّه يجب حمل ما في خبر زرارة عن الصادق (عليه السلام): «تقول في الردّ على اليهودي و النصراني: سلام» ( [٦]). على أنّه ليس ردّاً، بل هو من قبيل قوله عزّ و جلّ: (سَلَامٌ عَلَيكَ سَأَستَغفِرُ لَكَ رَبِّي) ( [٧])، و قوله: (وَ قُل سَلَامٌ فَسَوفَ يَعلَمُونَ) ( [٨]) أي لم يقصد به التحيّة، بل المراد منه المباعدة و المتاركة.
قال الطبرسي فيما حكي عنه في تفسير الآية الأخيرة: «أمرنا و أمركم سلام: أي متاركة» ( [٩]) و في تفسير الآية الاولى:
«توديع و حجز على ألطف الوجوه، و هو سلام متاركة و مباعدة عن الجعابي و مسلم، و قيل: هذا سلام إكرام و برّ مقابل جفوة أبيه بأيسر تأدية لحقّ الابوّة؛ أي هجرتك على وجه جليل من غير عقوق ... إلى آخره» ( [١٠]).
[١] الوسائل ١٢: ٨٤، ب ٥٣ من أحكام العشرة، ح ٢.
[٢] الحدائق ٩: ٧٨.
[٣] النساء: ٨٦.
[٤] نقله في الحدائق ٩: ٨٧- ٨٨.
[٥] شرح اصول الكافي ١١: ١٢٠، و فيه: «الاتّفاق على عدم وجوب الردّ بالأحسن».
[٦] الوسائل ١٢: ٧٧، ب ٤٩ من أحكام العشرة، ح ٢.
[٧] المريم: ٤٧.
[٨] الزخرف: ٨٩.
[٩] مجمع البيان ٩- ١٠: ٥٩.
[١٠] مجمع البيان ٥- ٦: ٥١٧.