جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦٩٥ - حكم كثير الشكّ و السهو
................
-
و ما عساه يقال: لا داعي إلى ارتكاب المجاز في لفظ السهو؛ لاشتمال الأدلّة على الشكّ و السهو، فيستدلّ على الأوّل بما دلّ على حكمه فيها، كخبري أبي بصير و عمّار المتقدّمين ( [١]) و تبقى أخبار السهو له خاصّة فلا تجوّز فيه.
يدفعه: أنّه و إن كان محتملًا بالنسبة للأخبار، لكنّه غير محتمل بالنسبة إلى كلام الأصحاب؛ لتعبيرهم عن هذا الحكم بلفظ السهو، و هو العمدة في المقام. بل ممّا يؤيّد حمل لفظ السهو على الشكّ زيادةً على ما عرفت نقل الاجماع ( [٢]) إن لم يكن محصّلًا على أنّ جميع أحكام السهو- من تلافي المسهوّ عنه إن كان في المحلّ، و عدم تلافيه في خارجه، و القضاء خارج الصلاة لو كان سجدة و نحوها، و بطلان الصلاة لو كان ركناً، إلى غير ذلك- تجري بالنسبة إلى كثير السهو كما اعترف به من عمّم لفظ السهو لهما كالشهيد في الروضة ( [٣]) و غيره، فلم يبق حينئذٍ معنى لانتفاء حكم السهو سوى سقوط سجدتي السهو، و في استفادة ذلك من الأدلّة نظر؛ لاشتمالها على قوله (عليه السلام): «فامض في صلاتك» و نحوه، و لا دلالة فيه على سقوطهما؛ لأنّ الأمر بالمضيّ في الصلاة لا ينافي وجوبهما خارجا.
و قال في الرياض في الجواب عن ذلك: «إنّ المراد من نفي حكم السهو نفي موجبه، و هو ليس إلّا سجدتا السهو؛ لأنّ تدارك المسهوّ عنه في الصلاة أو في خارجها لم ينشأ من السهو حتى يكون ذلك من جملة أحكامه، بل نشأ من عموم الأدلّة الموجبة له، فلا موجب للسهو حينئذٍ إلّا السجدتان، فيسقطان، فيتجه حينئذٍ نفي الحكم عن السهو لكثيره، و كذا فساد الصلاة كما إذا سها عن ركن لم ينشأ من نفس السهو، بل من حيث الترك حتى لو حصل من غير جهته» ( [٤]).
و فيه: أنّ هذا الكلام بعينه يمكن أن يجري بالنسبة إلى الشكّ أيضاً، فيقال: إنّ المراد من نفي الحكم عنه نفي موجبه، و ليس إلّا الركعات الاحتياطيّة و السجود، و أمّا تلافي المشكوك فيه فليس منه، بل هو من جهة أصالة عدم الإتيان، فيبقى مخاطباً به، فينبغي أن يتلافى مع الكثرة، فإنّه لا معنى للتفرقة، مع أنّ المؤدّي لهما عبارة واحدة، و هي «لا حكم للسهو مع الكثرة». و أيضاً دعوى أنّ تدارك السجدة المنسيّة و التشهّد المنسي خارج الصلاة ليس من موجب السهو في غاية البعد؛ إذ الدليل الأوّل غير شامل لمثل ذلك قطعاً، بل قد يقال أيضاً بالنسبة إلى تدارك المنسي في الصلاة: إنّه ليس مشمولًا للدليل الأوّل؛ ضرورة وجوب السجود قبل القيام، فإذا قام سهواً لم يشمله الدليل الأوّل، و لذا كان مقتضى القاعدة الفساد. نعم لمّا دلّ الدليل أنّه يجب عليك السجود و قلنا به فهو ممّا وجب للسهو، و إن كان لا يخلو من نظر. بل لا يخفى على الناظر للأدلّة نحو قوله: «إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك و لا تعد» ( [٥]) أنّ المراد منها عدم الالتفات إلى المسهوّ عنه، فلو اريد بلفظ السهو ما يشمل الحقيقي لوجب الالتزام بعدم وجوب الالتفات إلى المسهوّ عنه ركناً كان أو غيره إذا كان كثير السهو، فيقتصر حينئذٍ على ثلاث للظهر مثلًا إذا سها عن الرابعة إن كان كثير ١٢/ ٤٢٠/ ٧٠٤
السهو و إن ذكر ذلك قبل الخروج من الصلاة.
و قد التزم بذلك كلّه صاحب الحدائق حيث رجّح إرادة ما يشمل الشكّ و المعنى الحقيقي من لفظ السهو ( [٦])، و هو كما ترى منشأه الخلل في الطريقة و الإعراض عن كلمات الأصحاب و إجماعاتهم.
[١] تقدّما في ص ٦٩٣.
[٢] البحار ٨٨: ٢٧٧.
[٣] الروضة ١: ٣٣٩.
[٤] الرياض ٤: ٢٤٩.
[٥] الوسائل ٨: ٢٢٩، ب ١٦ من الخلل الواقع في الصلاة، ح ٦.
[٦] الحدائق ٩: ٢٩١.