جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٧٥ - الإخلال بالواجب سهواً
................
-
بل جميع هذه الأخبار محتملة- بعد حمل الجلوس قدر التشهّد فيها على التشهّد- لأن تكون سنداً للقائلين بندبيّة التسليم، بل استظهره منها بعضهم ( [١])، فتخرج حينئذٍ عن الاستدلال، نعم يرجع للبحث عن أصل وجوب التسليم و قد أثبتناه. بل قد يقال: إنّ المقصود من قوله: «إن جلس ... إلى آخره» في هذه الأخبار إرادة استنباط حال المصلّي هل فرغ من الصلاة ثمّ شرع في غيرها و لو بإتمامها ساهياً فلا تكون زيادة في الصلاة، أو أنّها زيادة فيها؟ فأراد معرفة حاله بهذا الطريق.
و من هنا و يمكن أن يقال بشيء، و هو: لو رأى المصلّي نفسه أنّه في خامسة أو سادسة، و لكن وقع له الشكّ في أنّه هل كان قد فرغ من الصلاة و أنّ هذه ابتداء صلاة جديدة، أو أنّ هذه زيادة في الفريضة وقعت منه سهواً؟ فإنّه قد يقال بالصحّة حينئذٍ:
١- حملًا لما وقع من المسلم عليها [/ الصحة].
٢- بل قد يكون هذا الشكّ منه شكّاً في الشيء بعد دخوله في شيء آخر، فلا يلتفت.
٣- بل يحتمل القول به لو رأى نفسه قائماً قبل تحقّق الركوع منه فيبني على الصحّة؛ لما ذكرنا أيضاً، و لا منافاة فيه لكلام الأصحاب؛ إذ المراد منه أنّه بعد أن علم أنّه لم يقع منه تشهّد و لا تسليم، لا ما ذكرنا.
بل يمكن القول فيها بالصحّة أيضاً فيما لم يتنبّه المكلّف إلّا و هو في خامسة مع علمه بعدم وقوع التشهّد و التسليم منه، لكنّه يحتمل أنّه نسيهما فابتدأ في صلاة جديدة و قلنا بصحّة الصلاة في مثله، و يحتمل أنّ ذلك وقع منه زيادة في الصلاة، فإنّ أصالة الصحّة تقضي بكون الواقع منه على الوجه الأوّل؛ لأنّه هو الصحيح، و إن كان الجزم بذلك لا يخلو من إشكال، فتأمّل.
و لعلّ خبر محمّد بن مسلم ( [٢]) الآتي منزّل على بعض ما ذكرناه، و ما فيه من التشهّد و التسليم في الأثناء لعلّه مبنيّ على جواز قضاء المنسي و لو في أثناء النافلة؛ لكونه غير منافٍ لها، فتأمّل جيّداً، فإنّه لا يتمّ تنزيله على ذلك.
و كيف كان فقد ظهر لك أنّ هذه الأخبار لا تصلح لأن تكون مقيّدة؛ لإطلاق تلك الأخبار الصحيحة الموافقة للقواعد الشرعيّة، المنجبرة بالشهرة المحصّلة و المنقولة و إجماع الغنية و غيره.
هذا كلّه بناءً على وجوب التسليم، و أمّا بناءً على ندبيّته فقد عرفت أنّ بعضهم استوجه الصحّة. و فيه: أنّه ينبغي اشتراطها بالتشهّد مع نسيان التسليم، لا بالجلوس بمقداره و إن لم يتشهّد؛ لأنّه حينئذٍ لم يفرغ أيضاً من الصلاة؛ لعدم الاكتفاء بالجلوس، و الاكتفاء بذلك فيه يقضي بالاكتفاء بالجلوس أيضاً بقدر التسليم و إن لم يسلّم بناءً على وجوبه، فلا ينبغي تخصيص الصحّة حينئذٍ بالندبيّة، مع احتمال أن يقال- و إن كان بعيداً-: إنّا و إن قلنا بندبيّة التسليم و حصول التشهّد منه لكن نقول ببطلان الصلاة أيضاً؛ لاشتراط الخروج حينئذٍ بنيّة الخروج مثلًا و الإعراض عن الصلاة و نحو ذلك، لا بتمام الأجزاء الواجبة، و إلّا لم يكن معنى لندبيّة التسليم و جزئيّته، بل لا بدّ حينئذٍ من القول بكونه خارجاً عن الصلاة مستحبّاً، و هو بعيد، فحينئذٍ يصدق عليه أنّه زاد في صلاته ركعة و إن قلنا بالاستحباب، و به يتمّ الفساد.
و من هنا تعرف أنّ بناء المسألة على الاستحباب أو الوجوب غير متّجه إلّا إذا قلنا بخروجه- على تقدير الاستحباب- عن الصلاة قهراً، و يكون التسليم مستحبّاً خارجيّاً، و إن كان هذا غير لازم لدعوى الاستحباب.
[١] الذكرى ٤: ٣٣.
[٢] يأتي في ص ٥٧٦.