جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٣٤ - الأذان الثالث يوم الجمعة
و على كلّ حال فالمراد به التعريض بما في أيدي القوم [١].
-
(١) و أمّا تسميته ثانياً في جملة من العبارات، فعن السرائر و المهذّب البارع و المقتصر و التنقيح و ظاهر المختلف ( [١]) باعتبار أنّه يُفعل بعد نزول الإمام عن المنبر، قال في الأوّل: «ثمّ ينزل الإمام عن المنبر بعد فراغه من إكمال الخطبتين و يبتدئ المؤذّن الذي بين يديه بالإقامة، و ينادي باقي المؤذّنين و المكبّرين: الصلاة الصلاة، و لا يجوز الأذان بعد نزوله مضافاً إلى الأذان الأوّل الذي عند الزوال، فهذا هو الأذان المنهي عنه، و يسمّيه بعض أصحابنا الأذان الثالث، و سمّاه ثالثاً لانضمام الإقامة إليهما، فكأنّها أذان آخر» ( [٢])، و استغربه في البيان و بعض ( [٢]) من تأخّر عنه، فقال: «اختلفوا في وقت الأذان فالمشهور أنّه حال جلوس الإمام على المنبر، و قال أبو الصلاح: قبل الصعود، و كلاهما مرويّان، فلو جمع بينهما أمكن نسبة البدعة إلى الثاني زماناً و إلى غير الشرعي فينزّل على القولين» قال: «و زعم ابن إدريس أنّ المنهيّ عنه هو الأذان بعد نزول الخطيب مضافاً إلى الإقامة، و هو غريب» قال: «و ليقم المؤذّن الذي بين يدي الإمام، و باقي المؤذّنين ينادون الصلاة، و هو أغرب» ( [٤]). و في الذكرى: «ينبغي أن يكون أذان المؤذّن بعد صعود الإمام على المنبر و الإمام جالس؛ لقول [الصادق (عليه السلام) عن] الباقر (عليه السلام) فيما رواه عبد اللّه بن ميمون: كان رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) إذا خرج إلى الجمعة قعد على المنبر حتى يفرغ المؤذّنون ( [٥])، و به أفتى ابن الجنيد و ابن أبي عقيل و الأكثر، و قال أبو الصلاح: إذا زالت الشمس أمر مؤذنيه بالأذان، و إذا فرغوا منه صعد المنبر فخطب، و رواه محمّد بن مسلم، قال: سألته عن الجمعة؟ فقال: «أذان و إقامة، يخرج الإمام بعد الأذان فيصعد على المنبر» ( [٦])، و يتفرّع على الخلاف أنّ الأذان الثاني- الموصوف بالبدعة أو الكراهة- ما هو، و ابن إدريس يقول: الأذان المنهيّ عنه هو الأذان بعد نزوله مضافاً إلى الأذان عند الزوال» ( [٧]). و في كشف اللثام: «يعني أنّ الأذان المشروع للجمعة إمّا قبل صعود الإمام المنبر أو بعده عند جلوسه عليه، فالجمع بينهما بدعة أو مكروه، و على الأوّل فالبدعة أو المكروه الثاني، و على الثاني الأوّل، و يسمّى ثانياً لحدوثه بعد الثاني» ( [٤]). قلت: لا ريب أنّ التوقيت المزبور للأذان بما سمعت إنّما هو مستحبّ في مستحبّ، و مقتضى الجمع بين الخبرين حصول الوظيفة بكلٍّ من الحالين، و إن كان قد يرجح ما رواه عبد اللّه بن ميمون بقرب اتّصاله بالصلاة، و بأنّه المشهور نقلًا إن لم يكن تحصيلًا، بخلاف قول أبي الصلاح، و إن قيل: إنّه ظاهر الغنية، بل ظاهرها الإجماع عليه. و على كلّ حال فلو حصل في غيرهما كان مشروعاً أيضاً و إن كان هو خلاف الأفضل.
و حينئذٍ فدعوى أنّ المراد بالثاني باعتبار الإحداث- و إلّا فهو ما لم يكن بين يدي الخطيب سواءً وقع أوّلًا أو ثانياً بالزمان- واضحة الضعف؛ لما عرفت من أنّ كيفيّة الأذان الواقع في عهده (صلى الله عليه و آله و سلم) غير شرط في شرعيّته قطعاً، بل إجماعاً حكاه ثاني المحقّقين، قال:
«إذ لو وقع بعد ( [٩]) صعود الخطيب أو لم يصعد منبراً بل خطب على الأرض لم يخرج بذلك عن الشرعيّة، فإذا فعل ثانياً كان هو المحدث» ( [١٠]). و قال أيضاً: «و يعرف أنّه المحدث من ظاهر الحال، و انضمام القرائن المستفادة من تتالي الأعصار التي شهدت بأنّ هذا هو المحدث في زمن عثمان أو معاوية، حتى أنّه لو حاول أحد تركه قابلوه بالإنكار و المنع، و الاعتبار ( [٩]) بتخصيص يوم الجمعة بأذان آخر من دون سائر الأيّام على تطاول المدّة من الامور الدالّة على ذلك، و ما هذا شأنه لا يكون إلّا بدعة» ( [١٠]).
[١] السرائر ١: ٢٩٥. المهذّب البارع ١: ٤١٠. المقتصر: ٨٠. التنقيح ١: ٢٢٩. المختلف ٢: ٢٤٢.
[٢] السرائر ١: ٢٩٥. المدارك ٤: ٧٦.
[٤] البيان: ١٩٢. كشف اللثام ٤: ٢٩٠.
[٥] الوسائل ٧: ٣٤٩، ب ٢٨ من صلاة الجمعة، ح ٢.
[٦] الوسائل ٧: ٣٤٣، ب ٢٥ من صلاة الجمعة، ح ٣.
[٧] الذكرى ٤: ١٤٣- ١٤٤.
[٩] في المصدر: «قبل»، «الاعتناء».
[١٠] جامع المقاصد ٢: ٤٢٥- ٤٢٦.