جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٨٣ - اشتراط الطهارة في الخطبة
خصوصاً في الفساد من جهة الشرط، على أنّ الخطبة ليست عبادة في وجه و ليست مجملة بل لا حقيقة شرعيّة فيها، فيصحّ التمسّك حينئذٍ بإطلاقها و إن كانت هي شرطاً للصلاة الصحيحة المجملة لو قلنا به كما حقّق ذلك كلّه في محلّه. و وجوب الموالاة- بعد تسليمه- لا يدلّ على الشرطيّة؛ ضرورة إمكان فرضها مع عدم الخلل بها، فيما لو بقي من غسله مثلًا جزء من جانبه الأيسر، أو كان فرضه التيمّم أو نحو ذلك ممّا لا تفوت به الموالاة. و اشتراط شرط الصلاة و المقدّم عليها بالطهارة ممنوع و إن كان ذكراً، كمنع اقتضاء ................
-
البدليّة ذلك. و الطهارة إنّما تجب بقدر الركعتين عند فعلهما. و المرسل غير حجّة عندنا، مع أنّه يحتمل كالصحيح إرادة تنزيلهما منزلة الصلاة لتنزّلهما منزلة الركعتين. و حكم الصلاة في الثواب بالنسبة إلى الحاضرين، كما كشفه الرضا (عليه السلام) في المروي عنه في العلل و العيون بسند معتبر، قال: «إنّما صارت صلاة الجمعة إذا كانت مع الإمام ركعتين، و إذا كانت بغير إمام ركعتين و ركعتين؛ لأنّ الناس يتخطون إلى الجمعة من بعد، فأحبّ اللّٰه عزّ و جلّ أنّ يخفّف عنهم لموضع التعب الذي صاروا إليه، و لأنّ الإمام يحبسهم للخطبة و هم منتظرون للصلاة، و من انتظر الصلاة فهو في الصلاة» ( [١]) الحديث. و إرادة معاملة الحاضرين لهما معاملة الصلاة في التوجّه و عدم الكلام، كما أومأ إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما أرسله عنه في الدعائم، قال: «يستقبل الناس الإمام عند الخطبة بوجوههم، و يصغون إليه و لا يتكلّمون بل يستمعون فهم في الصلاة» ( [٢]). و ربّما كان في مرسل الفقيه ( [٣]) إيماء إلى ذلك أيضاً، بل يقوى الظنّ- بقرينة ما سمعته من الخبرين- أنّ الخبر و الصحيح «فهم في صلاة حتى ينزل الإمام»، و التحريف من النسّاخ. و حينئذٍ لا بدّ من إرادة ذلك و نحوه؛ لأنّه لا قائل باشتراط الطهارة بالنسبة إليهم كما اعترف به ثاني الشهيدين، قال في المحكيّ من مسالكه:
«ظاهر الأصحاب أنّها- أي الطهارة- مختصّة بالخطيب دون المأمومين» ( [٤])، و الروض: «لم أقف على قائل بوجوبها على المأموم» ( [٥])، بل عن جماعة نقل ذلك عنه ساكتين عليه، بل قد يناقش فيه على النسخة المزبورة أيضاً بنحو ذلك؛ ضرورة ظهور كون المراد- بقرينة قوله: «حتى ينزل الإمام»- الحكم بكونها صلاة بالنسبة للمأمومين، و قد عرفت عدم الاشتراط بالنسبة إليهم.
بل في كشف اللثام- تبعاً للمختلف ( [٦])- احتمال كون الفاء تعليليّة، أي قامت الخطبتان مقام الركعتين؛ لأنّهما صلاة أي دعاء كما أنّهما دعاء، قال: «و حمل الصلاة على الدعاء الذي هو معناه الحقيقي لغةً أولى من حملها على المجاز الشرعي الذي هو التشبيه بالصلاة» ( [٧]). و إن كان قد يناقش فيه بأنّ الدعاء في لسان المتشرّعة مجاز شرعي أيضاً.
نعم قد يحتمل فيهما التشبيه في اقتضائهما وجوب الركعتين خاصّة بقرينة التفريع، فإنّ قيامهما مقام ركعتين لا يستلزم أزيد من ذلك، بل في المختلف: «كما يحتمل عود الضمير إلى الخطبتين لمكان القرب، كذا يحتمل عوده إلى الجمعة لأجل الوحدة، و تكون الفائدة في التقييد بنزول الإمام أنّ الجمعة إنّما تكون صلاةً معتدّاً بها مع الخطبة، و إنّما تحصل الخطبة بنزول الإمام، فالحكم بكونها صلاة إنّما يتمّ مع نزول الإمام» ( [٦]). و أشكله الشهيد في المحكيّ عن غاية المراد بأنّ « «حتى» للغاية، و لا معنى للغاية هنا، و لو قيل بأنّ «حتى» تعليليّة مثل «أسلمت حتى أدخل الجنّة» كان وجهاً ( [٩])، و بأنّ الحكم على الجمعة بالصلاة تأكيد و على الخطبتين تأسيس، و الحمل عليه أولى، و بأنّ صدر الحديث ظاهر في الحكم على الخطبتين؛ لأنّه تعليل لقصر الجمعة على الركعتين، مع أنّها بدل» ( [١٠]). و في كشف اللثام: «قد توجّه الغاية بكون المعنى فهي صلاة حتى ينزل، ثمّ هي صلاة حتى يسلّم، أي صلاة الجمعة صلاة الظهر انقسمت قسمين، فأحدهما الخطبتان و الآخر الركعتان، فإنّما يدلّ على نزول الخطبتين منزلة الركعتين،
[١] علل الشرائع: ٢٦٤- ٢٦٥، ح ٩. العيون ٢: ١١٨، ح ١. الوسائل ٧: ٣١٢، ب ٦ من صلاة الجمعة، ح ٣.
[٢] انظر دعائم الإسلام ١: ١٨٣ و هامشه.
[٣] تقدّم في ص ١٨٢.
[٤] المسالك ١: ٢٣٩.
[٥] الروض ٢: ٧٨٧.
[٦] المختلف ٢: ٢١٠.
[٧] كشف اللثام ٤: ٢٥٦- ٢٥٧.
[٩] في المصدر: «أوجه».
[١٠] غاية المراد ١: ١٧٣- ١٧٤.