جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٢٩ - حكم الجمعة في زمن الغيبة
................
-
مشعرٌ أيضاً باشتراط الجمعة بظهور السلطنة المقتضي لإقامة الحدود، و أنّ المراد منه الكناية بذلك عن ذلك، و تخصيص المصر لأنّ الغالب تنصيب الإمام فيه.
و أوضح منه إشعاراً المروي في العيون عن الرضا (عليه السلام) في خبر العلل: «فإن قال: فلِمَ صارت صلاة الجمعة إذا كان مع الإمام ركعتين، و إذا كان بغير إمام ركعتين ركعتين؟ قيل: لعلل شتّى، منها: أنّ الإنسان يتخطّى إلى الجمعة من بعد، فأحبّ اللّٰه عزّ و جلّ أن يخفّف عنهم لموضع التعب الذي صاروا إليه، و منها: أنّ الإمام يحبسهم للخطبة و هم منتظرون للصلاة، و من انتظر الصلاة فهو في صلاته في حكم التمام، و منها: أنّ الصلاة مع الإمام أتمّ و أكمل لعلمه و فقهه و عدله و فضله. و منها: أنّ الجمعة عيد، و صلاة العيد ركعتان، و لم تقصر لمكان الخطبتين. فإن قال: فلِمَ جعل الخطبة؟ قيل: لأنّ الجمعة مشهد عامّ، فأراد أن يكون للإمام سبب إلى موعظتهم و ترغيبهم في الطاعة، و ترهيبهم من المعصية و توقيفهم على ما أراد من مصلحة دينهم و دنياهم، و يخبرهم بما ورد عليه من الآفاق من الأهوال التي لهم فيها المضرّة و المنفعة، فإن قال: فلِمَ جعل الخطبتين؟ قيل: لأن يكون واحدة للثناء و التمجيد و التقديس للّٰه تعالى، و الاخرى للحوائج و الإعذار و الإنذار و الدعاء و ما يريد أن يعلمهم من أمره و نهيه و ما فيه الصلاح و الفساد» ( [١]).
و ذيله كالصريح في أنّه غير إمام الجماعة، بل رواه في الوسائل عن العلل بعد قوله (عليه السلام): «و المنفعة» بزيادة: «و لا يكون الصائر في الصلاة منفصلًا، و ليس بفاعل غيره ممّن يؤمّ الناس في غير يوم الجمعة» و هو نصّ في المطلوب.
هذا كلّه مضافاً إلى ترك الشيعة الرواة و غيرهم لها لمّا خفي السلطان.
و احتمال أنّ ذلك للتقيّة، يدفعه: أنّ الشيعة قد تجاهروا بما ينافي التقيّة في امور كثيرة، حتى أنّهم (عليهم السلام) تأذّوا منهم بذلك، و قالوا: إنّه ما قتلتنا إلّا شيعتنا ( [٢]).
و لو أنّ هذه الفريضة ممّا تجب عيناً كانت أولى بذلك من غيرها، على أنّ الظاهر إن لم يكن المتيقّن حصول الترك منهم حال عدم التقيّة، كما يومئ إليه:
١- صحيح زرارة قال: حثّنا أبو عبد اللّه (عليه السلام) على صلاة الجمعة حتى ظننت أنّه يريد أن نغدو عليه، فقلت: نغدو عليك؟
فقال: «لا، إنّما عنيت عندكم» ( [٣]).
إذ لا يخفى ظهوره في استمرار زرارة على الترك، بل ظاهر لفظ الحثّ أنّه لم يكن ذلك من أبي عبد اللّه (عليه السلام) بعنوان الوجوب، كما أنّ انتقال زرارة من المبالغة في الحثّ إلى إرادة الغدو عليه ظاهر في معروفيّة اعتبار الإمام فيها قبل أن يقول (عليه السلام) له: «إنّما أردت عندكم».
فحينئذٍ دلالة الصحيح المزبور على المطلوب واضحة حتى لو كان المراد منه- و إن كان بعيداً- الحثّ على حضور جماعة المخالفين، بقرينة أنّ من عادته (عليه السلام) الحثّ على أمثال ذلك لا الحثّ على ما لا ينافي التقيّة، خصوصاً في مثل الجمعة التي هي من مناصب السلطان، إلّا أنّ زرارة و غيره من الشيعة ربّما كانوا يتجنّبونها معهم؛ لأنّها ليست صلاة في الحقيقة، فظنّ من حثّه على
[١] العيون ٢: ١١٨، ح ١. ذكر صدره في الوسائل ٧: ٣١٢، ب ٦ من صلاة الجمعة، ح ٣، و ذيله في ٣٤٤، ب ٢٥، ح ٦، مع اختلاف.
[٢] انظر البحار ٢: ٧٤، ٧٩، ح ٤٥، ٧٢، و ٧٥: ٨٥، ٨٧، ح ٣٧، ٤١.
[٣] الوسائل ٧: ٣٠٩- ٣١٠، ب ٥ من صلاة الجمعة، ح ١. و فيه: «نأتيه» بدل «نغدو عليه».