جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٢٨ - حكم الجمعة في زمن الغيبة
................
-
في الأمصار ( [١]).
و منها: النصوص ( [٢]) المستفيضة الدالّة على سقوط الجمعة على من بَعُد عنها بفرسخين أو مَن إن صلّى الغداة عند أهله لم يدركها؛ ضرورة ظهورها في أنّ للجمعة محلّاً مخصوصاً معيّناً يجب السعي إليه على من كان دون هذه المسافة، و يسقط عمّن لم يكن كذلك، كالسقوط عن الأعمى و الامرأة و نحوهم سواءً تمكّنوا من عقد جمعة لهم أو لا، فإطلاق السقوط المزبور منافٍ للعينيّة قطعاً.
و من كان عنده نائب في هذه المسافة لم يصدق عليه البعد عنها بذلك؛ إذ المراد البعد عن الجمعة في سائر الأطراف و من جميع الجهات، فلا تخصيص حينئذٍ على المختار، بخلافه على تقدير العينيّة، بل لا ينبغي بناءً عليها هذا التكليف الشاق على جملة من الناس، بل هو مفوّت للفرض، و حامل لهم على العقوق، مع أنّهم غير مكلّفين به؛ لإمكان إقامة الجمعة عندهم. نعم ينبغي مراعاة البعد عنها بفرسخ؛ لعدم انعقاد جمعتين في الأقلّ منه.
بل إذا لم تكن هي منصب شخص مخصوص مكلّف بإقامتها لم يعقل وجوب السعي المزبور؛ إذ لم يعلم حصولها جامعة للشرائط فيما بين فرسخين.
اللّهمّ إلّا أن يرسل الشخص الصالح للإمامة إلى جميع من كان دون الفرسخين من جميع جهاته: أنّي اريد أن اصلّي الجمعة فاسعوا إليها. و هو كما ترى، و نحوه حمل النصوص المزبورة على إرادة بيان سقوط فرض الجمعة عمّن علم بها و كان بينها و بينه فرسخان و لم يمكنه إقامة الجمعة عنده لاختلال بعض شرائطها؛ إذ لا يخفى على من له أدنى معرفة و إنصاف أنّ المنساق من هذه النصوص- خصوصاً بعد ما سمعت من تعارف النصب للجمعة في زمن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) و من بعده- سقوط وجوب السعي عمّن بَعُد عن هذه الجمعة المعقودة من الإمام أو نائبه بمقدار المسافة المزبورة، و أنّه ينتقل فرضه إلى الأربع ركعات و لو كان فيهم الصالح للإمامة. كما هو واضح بأدنى تأمّل وضوح قول الباقر (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم: «تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين، و لا تجب على أقلّ من خمسة، منهم الإمام و قاضيه و المدّعي حقّاً و المدعى عليه و الشاهدان و الذي يضرب الحدود بين يدي الإمام» ( [٣]) في إرادة إمام الأصل (عليه السلام) أو الأعمّ منه و نائبه، لا إمام الجماعة.
و القطع بعدم خصوصيّة المذكورين في الوجوب- و إن حكي عن ظاهر الصدوق الفتوى به ( [٤])- لا ينافي اعتبارها في الإمام الذي قد عرفت الدليل عليه، فيكون المراد الوجوب على سبعة أحدهم الإمام على جهة الشرطيّة؛ لأنّه في مساق بيانها، فلا يرد أنّه لا ينافي الوجوب على غيرهم أيضاً، كما أنّ التخيير من جهة السبعة و الخمسة جمعاً بين النصوص لا ينافي اعتبار الإمام مع كلٍّ منهما.
بل لعلّ قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام): «لا جمعة إلّا في مصر تقام فيه الحدود» ( [٥])
[١] المبسوط (للسرخسي) ٢: ٢٣.
[٢] انظر الوسائل ٧: ٣٠٧، ب ٤ من صلاة الجمعة.
[٣] الوسائل ٧: ٣٠٥، ب ٢ من صلاة الجمعة، ح ٩، و ليس فيه: «من خمسة».
[٤] الفقيه ١: ٤١٣، ح ١٢٢٤.
[٥] الوسائل ٧: ٣٠٧، ب ٣ من صلاة الجمعة، ح ٣.