جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٥٥ - المسألة الخامسة اختلاف المأموم مع الإمام في القبلة
..........
لكن في الذكرى: «أنّ الأقرب أنّه إن كانت الصلاة مغنية عن القضاء بأن لم يكن في الجهة استدبار أو قلنا: إنّه لا يوجب القضاء فصلاتهم صحيحة، و التخالف هنا في الجهة مع الإمام غير ضائر؛ لأنّ غايته الصلاة خلف من صلاته فاسدة في نفس الأمر و هو لا يعلم الفساد، و إلّا قضى كلّ من علم أنّه صلّى إلى جهة توجب ذلك. و كذا عليه الإعادة إن علم ما يوجبها و الوقت باقٍ، دون من علم خلافه أو جهل الحال. و لو جهلوا أجمع فلا إعادة و لا قضاء، و لو علموا أنّ فيهم من عليه القضاء أو الإعادة و لم يتعيّن فالأقرب أن لا قضاء و لا إعادة كواجدي منيّ في ثوب مشترك بينهما؛ لأصل صحّة الصلاة. و يحتمل أن يكون عليهم الإعادة ليتيقّنوا الخروج عن العهدة» [١]. قلت: لا يخفى عليك ما في هذا الاحتمال، خصوصاً في المقام، كما أنّه لا يخفى عليك ما في كلامه بناءً على المختار، بل في كشف اللثام: «و هذا موافق للتذكرة في أنّ هذا التخالف لا يوجب القضاء، و لا الإعادة؛ لتخالف الإمام و المأموم، و إنّما وجب أحدهما فيما فرضه بسبب آخر» [٢]. ثمّ لا يخفى عليك أنّ امتناع اقتداء أحد المتخالفين بالآخر لو قلنا به لا يقتضي امتناع اعتداده بقبلة الآخر في كلّ أمر، بل يحلّ له ذبيحته؛ لأنّا لا نعرف خلافاً- كما في كشف اللثام- في أنّ من أخلّ بالاستقبال بها ناسياً أو جاهلًا بالجهة حلّت ذبيحته كما يأتي، و يجتزأ بصلاته على الميّت و إن كان مستدبراً؛ لأنّ المسقط لها عن سائر المكلّفين إنّما هي صلاة صحيحة جامعة للشرائط عند مصلّيها لا مطلقاً، و إلّا وجب على كلّ من سمع بموت مسلم أن يجتهد في تحصيل علمه بوقوع صلاة جامعة للشرائط عنده ليخرج عن العهدة، و لا قائل به كما في الكشف ٣. نعم لا يكمل عدد أحدهما بالآخر في صلاة الجمعة بناءً على ذلك، و لم يجز لهما أن يصلّيا جمعة واحدة، بل أطلق في القواعد أنّهما يصلّيان جمعتين [٤]، و لعلّه لأصل البراءة من التباعد، مع اعتقاد كلٍّ بطلان صلاة الآخر. و فيه نظر ظاهر. نعم إن تعذّر لضيق وقت أو غيره و وجبت عليهما عيناً صلّيا كذلك، و إن وجبت تخييراً قال في كشف اللثام: «احتمل عندي ضعيفاً» ٥. و كيف كان فإذا صلّيا معاً ففي القواعد: اكتفيا بخطبة واحدة يسمعها الجميع، اتفقا في الصلاة أو سبق أحدهما الآخر ٦، فلا يتوهّم أنّ الخطبة الواحدة إنّما تكفي مع اتفاقهما، خصوصاً إذا طال الفصل، و لا أنّ عليهما الاتفاق في الصلاة ليعقد كلّ منهما صلاته و لمّا تنعقد صلاة اخرى صحيحة شرعاً عند مصلّيها، لكن في كشف اللثام: «أنّ الاحتياط عندي الاتفاق إن جازت صلاتهما؛ لما أشرت إليه من ضعف الدليل» ٧. قلت: لا يخفى عليك سقوط ذلك كلّه عندنا، و أنّه لا مانع من الائتمام من هذه الجهة. نعم قد يشكّ فيها باعتبار عدم كونها من الهيئة المعلومة للجماعة، و خروج الاستدارة حول الكعبة- بالإجماع المدّعى في الذكرى و غيره- لا يقضي بخروج غيرها؛ لحرمة القياس، فلا ينبغي حينئذٍ ترك الاحتياط الذي هو ساحل بحر الهلكة. كما أنّه لا يخفى عليك أيضاً بعد ما ذكرنا ما في الذكرى من أنّه: «لو تغيّر اجتهاد أحد المأمومين انحرف و نوى الانفراد إذا كان ذلك غير يسير، و لو تغيّر اجتهاد الإمام انحرف و أتمّ المأمومون منفردين أو مؤتمّين ببعضهم» [٨]. نعم، ما ذكره فيها هنا بعد ذلك جيّد جدّاً، كما لا يخفى على من أحاط بما أسلفناه في المباحث السابقة. ثمّ قال:
«و لو ضاق الوقت إلّا عن صلاة و أدّى اجتهاد أحدهم إلى جهة، جاز للآخر الاقتداء به إذا قلّده و إن كان مجتهداً؛ لتعذّره حينئذٍ، و هل يجب عليه تقليده؟ الأقرب نعم؛ لعجزه و ظنّ صدق الآخر. و وجه المنع أنّ الشرع جعل فرضه عند ضيق الوقت التخيير، فليس عليه سواه. و فيه منع ظاهر؛ إذ التخيير إنّما يكون عند عدم المرجّح» ٩، و اللّٰه أعلم.
[١] الذكرى ٣: ١٧٧.
[٢] ٢، ٣، ٥، ٧ كشف اللثام ٣: ١٨٨، ١٨٩.
[٤] ٤، ٦ القواعد ١: ٢٥٤.
[٨] ٨، ٩ الذكرى ٣: ١٧٨.