جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٩٠ - الصلاة في بيوت النيران
و الظاهر عدم الفرق فيما ذكرنا بين الفريضة و النافلة ركعتي الزيارة و غيرها (١).
[الصلاة في بيوت النيران]:
(و) كذا تكره الصلاة في (بيوت النيران) (٢).
لكن من المعلوم زوال الكراهة بزوال نسبة الإضافة [أي إضافة البيت إلى النار]، كما أنّ المعلوم ثبوتها على-
(١) لإطلاق الصحيح المنبئ عن الحكمة التي ذكرناها.
فما يظهر من بعض الأصحاب [١] من قصر موضوع البحث على النافلة في غير محلّه، خصوصاً بعد ملاحظة معلوميّة الفرق بين قبورهم (عليهم السلام) و قبور غيرهم؛ فإنّه لا مجال حينئذٍ لتوهّم المشاركة، و اللّٰه أعلم.
(٢) على المشهور بين الأصحاب، بل عن الذكرى و جامع المقاصد نسبته إليهم، بل عن الغنية [٢] الإجماع عليه، لكن ظاهرها إرادة المعابد منها، و لذا عمّم الحكم- مدّعياً الإجماع عليه- لغيرها من معابدهم، بل في كشف اللثام: أنّه ظاهر المعتبر؛ لقوله: «و في بيوت النيران و المجوس إلّا أن ترش» [٣].
و في المدارك: أنّ «الأصح اختصاص الكراهة بموضع عبادة النيران؛ لأنّها ليست مواضع رحمة، فلا تصلح لعبادة اللّٰه» [٤]. قلت: و لعلّه يمكن تنزيل المطلق من عبارات الأصحاب عليه. لكن صرّح ثاني المحقّقين و الشهيدين و سيّد المدارك [٥] بأنّ المراد المعدّة لإضرام النار بها عادةً و إن لم تكن موضع عبادة، بل صرّح الأوّلان بأنّه على ذلك لا فرق بين وجود النار حال الصلاة و عدمه. و كأنّهم أخذوه من إطلاق اللفظ و تعليل المشهور الكراهة- كما قيل- بأنّه تشبّه بعبّادها [٦]، و إن استضعفه في المدارك ٧.
و فيه: أنّ الإطلاق منصرف إلى الأوّل، و التعليل لا ينافي الاختصاص، بل ظاهر كشف اللثام ٨ أنّ مفاده الاختصاص، و حينئذٍ يتّجه الحكم بالكراهة؛ للإجماع المزبور المعتضد بما عرفت، و بتعليلي المشهور و المدارك، بل و بالمحكيّ من علل محمد ابن علي بن إبراهيم: من أنّ «العلّة في كراهة الصلاة في بيت فيه صلبان أنّها شركاء يعبدون من دون اللّٰه، فينزّه اللّٰه تعالى أن يعبد في بيت يعبد فيه من دون اللّٰه» [٩]. على أنّه يمكن القول بالتعميم بعد التسامح؛ بأنّ الصلاة في غير المعابد من بيوت النيران كالفرن و الأتون و المطابخ و نحوها أقرب إلى معنى التشبّه بهم من الصلاة في نفس المعابد. فمع فرض كراهة التشبّه بهم- كما يظهر معلوميّته بين الأصحاب من التعليل المزبور، بل يومئ إليه في الجملة ما تقدّم في أخبار الجنائز من تعليل النهي عن اتباع الجنازة المشيّعَ بأنّه من عمل المجوس [١٠]، الكاشف عن أنّ المراد في الأمر بمخالفة أهل الكتاب في غيرها من أخبارها كراهية المشابهة لهم- يتّجه حينئذٍ الحكم بتعميم الكراهة، لكن مع عدم إرادة خصوص الصلاة من بين أفراد المشابهة.
اللّهمّ إلّا أن يدّعى مرجوحية التشبّه بهم فيها بالخصوص، أو يستند في الكراهة إلى فحوى ما تسمعه من النهي عن الصلاة إلى النار المضرمة، المستفاد من بعض النصوص- فضلًا عن الانسياق- أنّ الحكمة فيه صورة عبادة النار، فلعلّ مثلها يتأتّى في المقام.
[١] نهاية الإحكام ١: ٣٤٦.
[٢] الذكرى ٣: ٩١. جامع المقاصد ٢: ١٣٠. الغنية: ٦٧.
[٣] ٣، ٨ كشف اللثام ٣: ٢٩١.
[٤] ٤، ٧ المدارك ٣: ٢٣٢.
[٥] جامع المقاصد ٢: ١٣٠. المسالك ١: ١٧٥. المدارك ٣: ٢٣٢.
[٦] المنتهى ٤: ٣٢٨.
[٩] نقله في البحار ٨٣: ٣٢٨، ح ٢٩.
[١٠] الوسائل ٣: ١٥١، ب ٥ من أبواب الدفن، ح ٦.