جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٧٧ - الصلاة في أرض السبخة
..........
سمعته (عليه السلام) يقول: «لمّا خرج [أمير المؤمنين (عليه السلام)] إلى نهروان و طعنوا في أرض بابل حين دخل وقت العصر فلم يقطعوها حتى غابت الشمس، فنزل الناس يميناً و شمالًا يصلّون إلّا الأشتر وحده، قال: لا اصلّي حتى أرى أمير المؤمنين (عليه السلام) قد نزل يصلّي، فلمّا نزل قال:
يا مالك إنّ هذه أرض سبخة و لا تحل الصلاة فيها، فمن كان صلّى فليعد الصلاة» [١]. و أمّا احتمال الحرمة و إن حصل الواجب من التمكّن فيها فلا ريب في بطلانه: ١- للنصوص المزبورة المعتضدة بالإجماع المحكيّ إن لم يكن محصّلًا. ٢- و إطلاق الأدلّة. ٣- و خصوص موثّق سماعة: سألته عن الصلاة في السباخ؟ فقال: «لا بأس» [٢]. ٤- و المروي عن العلل مسنداً عن امّ المقدام الثقفية عن جويرية بن مسهر، قال: قطعنا مع أمير المؤمنين (عليه السلام) جسر الصراة في وقت العصر، فقال: «إنّ هذه أرض معذّبة لا ينبغي لنبي و لا وصي نبيّ أن يصلّي فيها، فمن أراد منكم أن يصلّي فليصلّ» [٣]. و نحوه عن بصائر الدرجات [٤].
٥- بل عن الفقيه مرسلًا عن جويرية: «إنّ هذه أرض ملعونة عذّبت في الدهر ثلاث مرات». قال: و في خبر آخر: «مرّتين» [٥] مع ورود الأخبار بأنّ الأرض كانت سبخة. و لعلّه لهذا الخبر قال الصدوق في المحكيّ عن خصاله: إنّه «لا يصلّي في السبخة نبيّ و لا وصيّ نبيّ، و أمّا غيرهما فإنّه متى دقّ مكان سجوده حتى تتمكّن الجبهة فيه مستوية في سجوده فلا بأس» [٦] و إن كان هو ضعيفاً لم أجد من وافقه عليه إلّا ما يحكى عن المجلسي [٧] من الميل إليه، إلّا أنّه في غير محلّه؛ لعدم صلاحية الخبر المزبور- سنداً و دلالة- لقطع الإطلاقات، و أصالة الاشتراك، خصوصاً بعد الإعراض عنه، على أنّه لا ظهور فيه بأنّ امتناعه (عليه السلام) كان للسبخ، بل لعلّه للتعذيب، بل هو الظاهر منه. اللّهمّ إلّا أن يجعل السبخ علامة التعذيب، كما يومئ إليه ما عن علل محمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم من أنّ «العلّة في السبخة أنّها أرض مخسوف بها» ٨. و احتمال إرادة أنّه ينخسف و ينغمر فيها الجبهة و غيرها من الأعضاء بعيد جدّاً.
و حينئذٍ فالظاهر- و لو بقرينة خبر يحيى بن أبي العلاء المتقدم؛ إذ الظاهر اتحاد القضية فيهما- كون المراد أنّه لا ينبغي للنبي و الوصي الصلاة من جهة شدّة الكراهة لهما، أو لأنّهما لا يفعلان إلّا الراجح، لا أنّ ذلك مختص بهما. و عن القاموس: أنّ «الصراة نهر بالعراق» [٩]، و عن بعض النسخ: «الفرات»، فلعلّه كان مكان جسر الحلّة، و عن الفقيه و البصائر: نهر سورى [١٠]، و هو موضع بالعراق. و على كلّ حال فما عن المقنعة من أنّه: «لا تجوز الصلاة فيها» [١١] و النهاية: «لا يصلّى» ١٢ و العلل: «باب العلّة التي من أجلها لا تجوز الصلاة في السبخة» [١٣] إن كان المراد منه الكراهة أو الحرمة حيث لا يحصل الواجب من التمكّن فمرحباً بالوفاق، و إلّا كان ضعيفاً جدّاً. و يقوى في النفس- بمشاهدة حصول الواجب من التمكّن في الغالب من الأرض السبخة- أنّ المراد من التعليل في النصوص السابقة كمال التمكّن.
[١] الأمالي ٢: ٢٨٤. المستدرك ٣: ٣٣٩، ب ١٥ من مكان المصلّي، ح ٢، و فيه: «يحيى بن العلاء».
[٢] الوسائل ٥: ١٥٢، ب ٢٠ من مكان المصلّي، ح ٨.
[٣] علل الشرائع: ٣٥٢، ح ٤، و فيه: «مسهرة». الوسائل ٥: ١٨١، ب ٣٨ من مكان المصلّي، ح ٣، و فيه: «الفرات» بدل «الصراة».
[٤] بصائر الدرجات: ٢٣٩، ح ٤.
[٥] الفقيه ١: ٢٠٣- ٢٠٤، ح ٦١١. الوسائل ٥: ١٨٠، ب ٣٨ من مكان المصلّي، ح ١، ٢.
[٦] الخصال: ٤٣٥، ذيل الحديث ٢١.
[٧] ٧، ٨ البحار ٨٣: ٣١١. نقله في كشف اللثام ٣: ٢٩٨.
[٩] القاموس المحيط ٤: ٣٥٢.
[١٠] الفقيه ١: ٢٠٤، ح ٦١١. بصائر الدرجات: ٢٣٧، ٢٣٩، ح ١، ٣.
[١١] ١١، ١٢ المقنعة: ١٥١. النهاية: ٩٩.
[١٣] علل الشرائع: ٣٢٦.