جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٥٥ - كيفية استقبال الكعبة
و قد تطلق الجهة (١) على غير ذلك كقول المصنف: (وجهة الكعبة هي القبلة لا البنية، فلو زالت البنية صلّى إلى جهتها كما يصلّي من هو أعلى موقفاً منها) أو أسفل (٢).
(١) [كما] في كلامهم.
(٢) ضرورة كون مراده بالجهة هنا الفضاء الذي حوت بعضه البنية و شغل الأرض بعضاً آخر منه و بقي الثالث متصلًا إلى عنان السماء، لا الجهة بالمعنى المزبور. و من هنا لم يعرف خلاف بين العلماء كما اعترف به في المدارك [١] في كون المدار في القبلة على ذلك، و خلاف شاذان في غير ذلك كما ستعرف [٢] الحال فيه، مع أنّه على تقديره لا يعبأ به؛ إذ الآجر و الجصّ و التراب ممّا ينقل و يضمحلّ. و قد سئل الصادق (عليه السلام) في خبر عبد اللّه بن سنان: عن رجل صلّى فوق أبي قبيس العصر و الكعبة تحته فهل تجزي؟ فقال:
«نعم، إنّها قبلة من موضعها إلى السماء» [٣]، كقوله (عليه السلام) أيضاً: «لا بأس» لمّا سأله خالد أبو إسماعيل [٤] عن الرجل على أبي قبيس يستقبل القبلة [٥].
و كذلك الحال في المصلّي في سرداب مثلًا نازل عن بناء الكعبة. و قد تقدّم و يأتي الإشارة إلى ذلك كله، مع أنّه بوضوحه مستغنٍ عن كثرة الكلام.
كما أنّه تقدّم سابقاً وجوب العلم بتحقّق صدق الاستقبال للمتمكّن و إن توقّف على صعود إلى سطح أو جبل أو نحوهما من المقدمات التي لا حرج على المكلّف في تحصيلها على ما هو مقتضى القواعد المقررة التي شهد لها العقل و النقل. فما في المدارك من أنّه «لا يكلّف الصعود إلى الجبال ليرى الكعبة للحرج، بخلاف الصعود إلى السطح، و أوجب الشيخ و العلّامة في بعض كتبهما صعود الجبل مع القدرة، و هو بعيد» [٦] فيه ما لا يخفى.
اللّهمّ إلّا أن يريد بقرينة تعليله ما فيه الحرج، لكن من المستبعد إيجاب الشيخ و الفاضل عليه ذلك معه؛ لعدم الدليل، بل المعلوم من اصول هذه الملّة سقوط ما فيه الحرج من سائر أحكامها، و ظنّي أنّ الخلاف لفظي.
ثمّ قال في المدارك بعد الكلام المزبور: «و إن قلنا بالاكتفاء باستقبال الجهة مطلقاً سقط هذا البحث من أصله» ٧.
و فيه: أنّك قد عرفت ممّا تقدّم سابقاً عدم قائل بذلك، بل لا مجال لاحتماله؛ إذ وجوب استقبال العين لمن كان مشاهداً لها من الضروريّات، و لا يكفيه استقبال جهة العين بمعنى الفضاء المتصل بها يميناً و شمالًا؛ إذ هو ليس استقبالًا للكعبة قطعاً، بل هو غير مجزٍ للبعيد، فضلًا عن القريب على ما عرفته مفصّلًا، و إن أراد بالجهة غير ذلك لم يكن وجه لسقوط هذا البحث من أصله.
و من ذلك يعرف ما في مناقشته [٨] للمعتبر في شرح المتن السابق، كما تقدّم لنا ما يزيده وضوحاً و تفصيلًا، فلاحظ، و تأمّل إن شئت.
[١] المدارك ٣: ١٢٢.
[٢] يأتي في ص ٢٥٨.
[٣] الوسائل ٤: ٣٣٩، ب ١٨ من القبلة، ح ١.
[٤] في المصدر: «خالد بن أبي إسماعيل».
[٥] الوسائل ٤: ٣٣٩، ب ١٨ من القبلة، ح ٢. و فيه: «يصلّي على أبي قبيس».
[٦] ٦، ٧ المدارك ٣: ١٢٢.
[٨] المصدر السابق: ١١٩.