جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٥٠ - كيفية استقبال الكعبة
[فليس المراد من الجهة إلّا المقابلة و المحاذاة الحسّية للبعيد من حيث كونه بعيداً]. نعم، يختلف كيفيّة معرفة ذلك، فتارةً بالعلم، و اخرى بالظنّ كمراعاة هذه العلامات (١).
(١) و لقد استراح من عرّفها بذلك كالأردبيلي و العلّامة الطباطبائي [١]، قال الثاني منهما:
و للبعيد الجهة المعيّنة * * * بما لها من آية مبيّنة
فمحراب المعصوم (عليه السلام) و هذه الأمارات و غيرها إنّما هي أدلّة على الجهة، كما نصّ عليه المحقّق الثاني في فوائد الشرائع [٢] لا العين؛ ضرورة عدم معقوليّة دلالتها عليها بالخطوط المستوية مع اشتراك الإقليم الواحد بها فيما يقطع بعدم مقابلته العين حقيقة، لسعة عرضه عليه أضعافاً متعدّدة.
و كرويّة الأرض لا مدخليّة لها في ذلك قطعاً، كما أنّ كون أهل الأرض مستديرين حول الكعبة كذلك؛ إذ ليس استدارتهم كمحيط الدائرة، كما اعترف به المحقق الثاني في فوائد الشرائع ٣، و إلّا ما صلّى المتوسّطون في الجهة إلى سمت واحد. ثمّ إنّ دلالتها على الجهة مختلفة، فالمحراب و نحوه ممّا يفيد القطع بها لما عرفت و تعرف من منافاة الخطأ في ذلك العصمة و غيره يفيد الظنّ بها؛ لاحتمال الخطأ في تحصيل القبلة المقابلة بها كما أوضحناه سابقاً، و نصّ عليهما معاً المحقّق الثاني هنا في فوائده [٤].
فمن الغريب ما وقع لبعض الأعلام كالشهيد في الذكرى و المحقّق البهائي من أنّ هذه الأمارات تفيد الظنّ الغالب بالعين و القطع بالجهة [٥]. كما أنّه من الغريب ما وقع لبعض علماء العصر من الإنكار على ما وقع من غير واحد من الأصحاب، بل ظاهرهم الاتفاق عليه من أنّ محراب المعصوم (عليه السلام) ممّا يفيد العلم بالقبلة قائلًا: ليس تكليف المعصوم (عليه السلام) مع البعد إلّا تكليف غيره من الاستقبال إلى الجهة؛ و لذا كان يصلّي قطعاً في أمكنة متعدّدة يقطع بسعة عرضها على الكعبة من دون انحراف منه، فكيف يكون محرابه ممّا يفيد العلم بالقبلة؟!
إذ لا يخفى ما فيه بعد الإحاطة بما ذكرناه سابقاً من أنّ المراد إفادته العلم بالجهة بالمعنى الذي ذكرناه، أي المقابلة الحسّية لو كانت الكعبة مرئيّة لا العين، و تجويز الخطأ عليه في ذلك نفي لعصمته لما فيه من النقص؛ إذ هو أجلّ من أن يقصر عن علماء الهيئة كما أوضحناه سابقاً.
و لقد طال بنا الكلام حتى خرجنا عن وضع الكتاب، إلّا أنّه كان المقام حقيقاً به، فإنّه قد خفي في هذا العصر المراد بالجهة حتى أنّه التجأ متفقّهته للجهل بها إلى ما أحدثه الأردبيلي، و تبعه عليه بعض الناس [٦] ممّا هو مخالف لإجماع الأصحاب بقسميه من عدم اعتبار هذا التدقيق في أمر القبلة، و أنّه أوسع من ذلك، و ما حاله إلّا كأمر السيّد عبده باستقبال بلد من البلدان النائية، التي لا ريب في تحقّق امتثال العبد له بمجرّد التوجّه إلى جهة تلك البلد، من غير حاجة إلى رصد و علامات و غيرها ممّا يختصّ بمعرفته أهل الهيئة، المستبعد أو الممتنع تكليف عامّة الناس من النساء و الرجال خصوصاً السواد منهم بما عند أهل الهيئة الذي لا يعرفه
[١] مجمع الفائدة و البرهان ٢: ٥٨. الدرّة النجفية: ٨٨.
[٢] ٢، ٣ فوائد الشرائع (حياة الكركي) ١٠: ١٢٢.
[٤] فوائد الشرائع (حياة الكركي) ١٠: ١٢٣.
[٥] الذكرى ٣: ١٦٢. الحبل المتين: ١٩٤.
[٦] مجمع الفائدة و البرهان ٢: ٥٩. المدارك ٣: ١٢١.