جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٦٧ - تحديد الليل و منتصفه
..........
الليل، مع أنّ الظاهر إرادة القَسَم بوقت واحد الذي هو إدبار الليل و إقبال الصبح؛ لتلازمهما أو ترادفهما، كما يومئ إليه ما عن الرازي في قوله تعالى: (وَ اللَّيْلِ إِذٰا عَسْعَسَ* وَ الصُّبْحِ إِذٰا تَنَفَّسَ) [١]، فلاحظ و تأمّل ليظهر لك أنّ الآية الاخرى دليل آخر على المطلوب، سواء اريد من «عسعس» الإقبال أو الإدبار.
٦- و قوله تعالى: (قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتٰاكُمْ عَذٰابُهُ بَيٰاتاً أَوْ نَهٰاراً مٰا ذٰا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) [٢]؛ لما ستعرف من أنّ البيتوتة الزمان الذي نهايته طلوع الفجر، و لعلّه أراد ذلك الراغب الاصفهاني فيما حكي عنه من استدلاله بهذه الآية على أنّ النهار في الشرع اسم لما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، قال: «لأنّ بات فلان يفعل كذا موضوعة لما يفعل بالليل، و ظلّ لما يفعل بالنهار» [٣]؛ إذ ذلك مجرّداً لا يدلّ على مطلوبه كما هو واضح.
٧- و قوله تعالى: (أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ) [٤]، و (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ) ٥، و (لَيْلَةَ الصِّيٰامِ) [٦]، (فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ) [٧]، منضمّاً إلى قوله تعالى: (حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) ٨، و لأصالة عدم النقل و التجوّز من التقييد و غيره. و لا ينافيه قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ) ٩ عند التأمّل.
فما ظنّه بعضهم [١٠] من أنّ «ثمّ» و «الإتمام» قرينة على أنّ ساعة الفجر ليست من النهار، و قد قرّر ذلك بتكلّف شديد و تعسّف بعيد، في غير محلّه، فتأمّل جيّداً.
٨- و قوله تعالى: (قُمِ اللَّيْلَ إِلّٰا قَلِيلًا* نِصْفَهُ) إلى قوله تعالى: (إِنَّ نٰاشِئَةَ اللَّيْلِ) [١١] إلى آخره؛ إذ من المعلوم أنّ الواجب على النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) القيام إلى الفجر و أنّه هو الذي يلاحظ نصفه و ثلثه و ثلثاه، كما دلّت عليه الأخبار و اعترف به المفسّرون كما قيل [١٢].
٩- و قوله تعالى: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) إلى قوله تعالى: (مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) [١٣]، فإنّ من لاحظ ما ورد [١٤] في القطع، و قوله تعالى: (نَجَّيْنٰاهُمْ بِسَحَرٍ) [١٥]، و قوله تعالى: (وَ لَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذٰابٌ مُسْتَقِرٌّ) [١٦]، و ما ورد [١٧] في مخاطبة لوط مع الملائكة، جزم بخروج ما بعد الفجر عن الليل.
١٠- كالجزم بالخروج أيضاً للمقابلة في قوله تعالى أيضاً: (وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ* وَ بِاللَّيْلِ أَ فَلٰا تَعْقِلُونَ) [١٨]، و في قوله تعالى: (فٰالِقُ الْإِصْبٰاحِ وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً) [١٩]؛ ضرورة ظهور المقابلة في الخروج عن المقابل الآخر، فتأمّل.
[١] التفسير الكبير ٣١: ٧٢. التكوير: ١٧، ١٨.
[٢] يونس ٥٠.
[٣] انظر المفردات: ٦٤، ٦٥، ٥٠٧.
[٤] ٤، ٥ البقرة: ١٨٤.
[٦] ٦، ٨، ٩ البقرة: ١٨٧.
[٧] البقرة: ١٩٦.
[١٠] انظر البحار ٨٣: ٩٣، ٩٤.
[١١] المزمل: ٢- ٦.
[١٢] البحار ٨٣: ٩٦.
[١٣] هود: ٨١.
[١٤] تفسير الصافي ٢: ٤٦٣.
[١٥] القمر: ٣٤.
[١٦] القمر: ٣٨.
[١٧] تفسير العيّاشي ٢: ١٥٧، ح ٥٧.
[١٨] الصافات: ١٣٧- ١٣٨.
[١٩] الأنعام: ٩٦.